#adsense

الوزيرة المفوضة للفرنكوفونية والفرنسيين في الخارج ياسمينا بنغيغي لـ “النهار”: لم يشُب مسار غسان تويني خطأ… إنه أبو الأمة اللبنانية الروحي

حجم الخط

قدمت الوزيرة المفوضة للفرنكوفونية وشؤون الفرنسيين في الخارج ياسمينا بنغيغي الى لبنان لتمثيل السلطات الفرنسية في مأتم "عميد الصحافة اللبنانية" غسان تويني. في مبنى "النهار"، مرتع الراحل ومرساه ومربط خيله الفكري، استبقينا السينمائية التي التزمت قضايا الانسان، في حوار تموضع بين لقاءين رسميين، وحيث تقدمت المناسبة الجلل على ما عداها.

– اي صفة تستبقين خصوصاً من غسان تويني؟ السياسي او الناشر او الديبلوماسي او الكاتب المتعدد اللغة او الشخصية الأكاديمية او اللبناني العربي او الفرنكوفوني او الانغلوفوني، او رجل الصراعات كافة، او "الرجل الحر" وفق تعبير الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند؟

كان غسان تويني شخصية عظيمة في الإلتزام، يسعني ان أصفه بأبي الأمة اللبنانية الروحي. ذلك انه رفدها بمستويات عدة، في الديبلوماسية والثقافة والفرنكوفونية والذهاب الى الآخر. ندرك تعقيد تركيب لبنان وتنوعه، وثمة رجل استطاع على مر حياته ان يمدّ الروابط وان يعزز هوية بلاده، في حين لم ترأف الحياة بلبنان. ألقي لبنان في وضع صعب جدًا خلال اعوام طويلة، ولم يكن بديهياً ان يخرج من بين ابنائه رجل يمثل هذا القدر من الإنسانوية، يضع في عين التزامه الجانب الانساني وقلبَه على السواء. عندما نرى امبراطوريته، ندرك انه حقّق انتقالاً الى السلطة على نحو ناجح. الى جانب الكلام الرائع الذي قاله الرئيس الفرنسي هولاند، اضيف انه صنع من كل الألم الشخصي قوة. استطاع ان يستوعب الوجع ليخرجه قوة ويواصل طريقه الى حين وفاته، من دون حقد.

– على هامش القمة الفرنكوفونية التاسعة في 2002 في بيروت، اعتبر الراحل غسان تويني التآلف الثقافي بين العالم العربي والفرنكوفونية "مغامرة محفوفة بالأخطار ومغرية في آن معا" و"آداة تواصل" بين عالمين مختلفين وحضارتين بل و"ديانتين متعاكستين". كيف تتلقفين هذا القول علما انك تتحدرين من أسرة من المهاجرين الجزائريين وتحملين فيك تاليا جميع هذه الجينات؟

في سياق تكوين هويتي سلكت سبيلاً متواضعاً فانخرطت في كفاح فعلي للإنفتاح على الآخر وتجاوز التاريخ. أشرتِ الى أصولي الجزائرية، وانت تدركين ان بين فرنسا والجزائر حرب استعمار وإنهاء له، اريق خلالها دم كثير، ومات ما يزيد على مليون شخص. ثمة جروح مفتوحة وتاريخ مركب للغاية. لم يستخدم الاستعمار لشنّ الحروب فحسب، وانما لجعل عجلات الآلات الصناعية تدور أيضا، لتحدث هجرة كان حافزها العمل. عند نيل الجزائر استقلالها، كان يقطن الأرض الفرنسية نحو مليون ونصف مليون جزائري. هؤلاء جزائريون لكنهم عملوا لمصلحة فرنسا. نشأتُ في فرنسا حيث واجهت صراعا يوميا لأثبّت كينونتي وأتجاوز الأفكار المسبقة. بلاد منشأي عربية، في حين ارتدت في بلاد الاستقبال مدرسة لغتها الفرنسية التي صارت لغة الحلم. أما عند عودتي الى المنزل، فكان قسطي العربي يحضني على عدم نسيان الكفاح. في لحظة معينة، جعلتني الفرنسية أتسمر في المكتبة وألتهم كل ما حوته. ستشكل الكلمات الفرنسية هويتي، أكان صاحبها كاتب ياسين او جبران خليل جبران، لأصير سينمائية ملتزمة من طريق كلمات ونمط تفكير شكلت الفرنسية أساسها. أسعى منذ نحو ثمانية عشر عاماً لأسمح للمهاجرين بالوجود، اياً تكن أصولهم، لكي يجدوا لأنفسهم مكانا. اهتممت للشعوب التي على اختلاف أحوالها تضطر الى الهجرة بسبب الحاجة الاقتصادية، أو الضرورة. عندما جئت الى لبنان فهمت ما يحدث عندما تجبر المجموعات على الهجرة. أدركت كيف يدفع بالمرء الى التشبّث بفكرة واحدة، وكيف يضطر في لحظة الى المغادرة او الانغلاق او التصلب، ليغدو ذلك أساساً لمشكلة. عالجت هذه الموضوعات المطروحة في الضواحي الفرنسية، من دون ان أتموضع في الأمام وانما من خلال التقدم خطوة في فهم الأمور، مع المحافظة على الجانب الإنساني. لا يمكن اصدار الأحكام او القوانين او التعاميم المتسرعة مثل "تعميم غيان" (باسم وزير الداخلية الفرنسي الأسبق) المتعلق بالطلاب الأجانب في فرنسا. سأعمل على اعادة الاعتبار للطلاب أكانوا لبنانيين او من جنسيات أخرى.

– تم تعديل هذا التعميم في اي حال.

اجل لكن الطلاب أصيبوا بجرح، ويجب اصلاح ذلك. اتمنى ان يتسنى لي في اطار "منظمة الدول الفرنكوفونية" اصلاح ما جرى، لأنه تم التعرض لكرامة هؤلاء الطلاب. يجب محو الاستعمار من المخيّلات، لأنه تم التعامل معهم من هذا المنطلق. أجيء من هذا النسق من التاريخ والعمل، وها أنا أفيد من انفتاح الرئيس هولاند الذي أوكل الي هذه المهمة.

– في الحديث عن تحديات الفرنكوفونية، اعود الى كلام الرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران الذي يسأل "ما هو مصير الفرنكوفونية، في حال توقف الجميع عن تحدث الفرنسية؟" كيف تقاربين المسألة في ظل انتشار الانكليزية وانحسار الفرنسية؟

انه لكفاح حقيقي يجب خوضه تدريجا ومحاولة التموضع في إطار العولمة. لا يسهّل الأمور ان يختار احد الفرنسيين إلقاء خطاب بإنكليزية رديئة في اطار هيئات بارزة، بينما يملك سلطة التحدث بلغته الأم. تسنى لي لقاء أمين عام "منظمة الدول الفرنكوفونية" الرئيس عبدو ضيوف، واظن ان ثمة امكاناً للعودة، على نحو سلمي، الى الفرنسية الإنسانوية وحاملة القيم. تغير الزمن بلا ريب. لم تعد الفرنسية مرتبطة بالاستعمار، انها حاملة للمعرفة والأمل والقيم وينبغي لنا ان نقرّ معاهدات لغوية والتوجه الى الجيل الشاب وجعل هذه اللغة تعيش. في اي حال يحظى لبنان "السعفة الذهبية" في هذا الإطار اذا اردنا استبقاء المفردات السينمائية، ذلك ان الفرنكوفونية ليست موجودة ومحترمة فحسب، وانما صار اللبنانيون سمادها. يطالب اللبنانيون المقيمون في العالم العربي، ولا سيما في الإمارات العربية المتحدة بفتح مدارس ومعاهد فرنسية. يؤدون دور سفراء الفرنكوفونية. في القمة الفرنكوفونية المقبلة في كينشاسا في حضور الرئيس هولاند، اتمنى ان تكون في جعبتي خريطة طريق جديدة. زرت مرة واحدة لبنان في مرحلة صعبة للغاية، لأعرض في "المعهد الفرنسي" فيلمي "انشالله الأحد" الظافر بـ "جائزة النقاد الدوليين" في مهرجان تورنتو السينمائي، في الحادي عشر من ايلول 2001. في لبنان كان التبادل رائعاً مع الفرنسيين المقيمين هنا واللبنانيين المهتمين بالسينما والثقافة والحداثة والموسيقى. اللبنانيون محفّزون للحداثة ولا سيما من طريق الفرنسية. شكراً جزيلاً لتلك الرحلة.

– في بحثه "لندفن الحقد والثأر، قدر لبناني" (ألبان ميشال) استعاد غسان تويني مساره موضحاً كيف استطاع ان يستقي من المآسي والاوجاع التي طبعت حياته، قوة من اجل البقاء رجل مسامحة. أترين "النهار" على صورته، رمز حوار الثقافات واشكال الايمان المختلفة؟

اظن الشعب اللبناني صار يتيماً بوفاته فكيف بالحريّ "النهار"؟ غير ان الصحيفة إرثه الفعلي وهو لا يزال هنا، يمكن من خلالها تنفس القيم التي تركها. صارت هذه الصحيفة محفورة في النفوس، ولا يمكن أن يسلب منها هذا الضمير الاخلاقي. ربما تكون الصحيفة على صورة "لوموند" في حال ذهبنا الى المقارنات، غير ان ثمة شيئاً أكثر قوة في "النهار". لا اعرف شخصية في العالم ارتبطت بصحيفة على هذا النحو الوثيق. لم يشُب مسار غسان تويني خطأ، في جزء من العالم حيث كان سهلاً الخروج من الخطوط المستقيمة. كان يسعه ان يجعل الحقد يتقدّم على سواه عندما اغتيل ابنه، وان يشكك في قيمه، غير انه احجم عن ذلك، وهذا نادر. اظنه يلتحق بقيم غاندي ومارتن لوثر كينغ. خلّف تويني إرثا، وهذا مذهل.

المصدر:
النهار

خبر عاجل