#dfp #adsense

دعوة “المؤتمر التأسيسي” التي ولدت ميتة

حجم الخط

كتب محمد مشموشي في "المستقبل":

الجديد في دعوة الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله الى عقد مؤتمر تأسيسي لإقامة دولة في لبنان، أنه يتحدث للمرة الأولى عن حاجته، وحاجة حزبه، من جهة، ورغبته من جهة أخرى، في بناء دولة لبنانية، بينما كان يكتفي في السابق بالقول: "هاتوا دولة أولاً، ولنتحدث بعد ذلك عن القضايا التي ترون أن هناك ضرورة للبحث فيها". وفي هذا الجديد ايجابية ما كانت مفقودة قبل الآن، بغض النظر عن مضمون الدعوة وأهدافها وتوقيتها.

والجديد في دعوته هذه كذلك، أنه يربط بين حمله السلاح منذ عقود وبين غياب الدولة عن القيام بواجباتها في الدفاع عن لبنان ثم في تحرير أرضه من الاحتلال، ثم بين احتفاظه به الآن وبين غياب الدولة نفسها عما يصفه بالردع من جهة واحتمالات العدوان مجدداً من جهة ثانية، بينما كان لا يتعدى في السابق مقولة إن سلاحه باقٍ باقٍ باقٍ… نقطة على السطر. وفي هذا ايجابية أيضاً، بالرغم من أن الدعوة لم تشر ولو تلميحاً الى ما يتعلق بمصير هذا السلاح بعد البناء المفترض للدولة، أو حتى عودتها من غياب سابق عن أداء دورها.

لكن ما لم تلتفت اليه دعوة السيد حسن، في الشكل قبل المحتوى، هما أمران لا بد من التوقف عندهما:

أولهما، أن الدولة في لبنان قائمة منذ العام 1920، وأن إعادة تأسيسها تمت لدى إعلان الاستقلال في العام 1943 في ما وصفه المؤسسون بالجمهورية الأولى، ثم بعد ذلك في العام 1989 باسم الجمهورية الثانية، من دون إنكار العديد من العيوب والعورات التي اكتنفت أداء السلطة التي تولت إدارة شؤونها على امتداد تلك الفترة. بهذا المعنى، هناك حاجة الى إصلاح هذه السلطة، وحتى الى إصلاح عميق وجذري، وليس الى تأسيس أو إعادة تأسيس، إلا إذا كان الهدف المبيت والذي لا يجري الحديث عنه هو تهديم الكيان القائم، أو ربما انتزاع الاعتراف بأنه لم يعد موجوداً، بنية السعي الى إنشاء كيان مختلف.

ثانيهما، إن تقصير الدولة (عملياً، السلطة كطبقة سياسية حاكمة) في القيام بواجباتها إن في مواجهة العدوان الخارجي أو في مواجهة أي قضية أخرى، داخلية أو خارجية، ليس مبرراً قانونياً ولا شرعياً لقيام أطراف من خارج هذه السلطة بسد الفجوات الناتجة عن التقصير… وبالذات لمواصلة فعل ذلك بدعوى إمكان عودة السلطة مجدداً الى اقتراف الفعل الشنيع. ذلك أنه في حالة تقصير الدولة في مجال العدل مثلاً، أو الأمن العام أو الأمن الشخصي، وقيام فئة من الناس بأخذ حقها بيدها أو حماية أمنها بنفسها، لا يمكن وصف مثل هذا العمل إلا بأنه عودة الى "شرعة الغاب". وعلى النسق نفسه، فمن شأن ذلك أن يشكل دعوة لفئات أخرى الى اقتراف عمل مماثل في أي مجال آخر ترى هذه الفئات مظلومية ما لها فيه، لمجرد أن الدولة فشلت في تحقيقه أو تقاعست عن القيام به لسبب من الأسباب.

هل يريد السيد حسن، من خلال اقتراحه، جرّ البلاد عملياً الى هذا المستنقع، أم أن ما يريده هو فقط إبعاد الكأس، كأس التخلي عن السلاح ووضعه بإمرة الدولة، أقله إنعاشاً لهذه الدولة ومؤسساتها الرسمية التي يأخذ عليها غيابها؟.

هذا في الشكل، شكل الدعوة التي قدمها نصرالله بشأن ما وصفه بـ"المؤتمر التأسيسي". أما في المضمون والتوقيت، فلا حاجة الى التذكير بأنها جاءت بعد الدعوة الرسمية التي وجهها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان لعقد طاولة الحوار (الدعوة التي كان السيد حسن قد رحب بها من قبل)، وفي الوقت الذي كانت فيه أطراف أخرى تقول إنه لا حاجة الى مثل هذا الحوار إذا كان مصيره سيكون مشابهاً لما سبق من حوارات، منذ العام 2006 حتى الآن، لم تؤدِ إلا الى تعميق الهوة بين المشاركين من ناحية وحتى بين الفئات الشعبية والطوائف والمذاهب والمناطق من ناحية ثانية.

ثم إذا كان الوضع في لبنان، كما يقول نصرالله نفسه، يمر الآن في مرحلة دقيقة وحساسة على وقع الحدث السوري، وقد بدأت ملامحها في الظهور على السطح في طرابلس وعكار وبيروت والبقاع، فهل ينسجم مع الحاجة الى التصدي لهذه المرحلة ومنع تداعياتها السلبية على لبنان حديثه عن تأسيس دولة (عملياً، وطن) بينما يعاني لبنان ما يكفيه من مشكلات نتيجة تغييب الدولة القسري وليس غيابها التلقائي فقط؟.

أم أن التغييب القسري يمكن، من وجهة النظر هذه، أن يشكل عقاباً للدولة على الغياب التلقائي؟. وهل كان الانسحاب من الحكومة ومنع انتخاب رئيس للجمهورية وإقفال مجلس النواب في الفترة السابقة، ولا يملك السيد حسن ولا حزبه ولا حلفاؤه أن يبرئوا أنفسهم منها، خارج سياق التغييب القسري ذاك؟.

واقع الحال، أن دعوة الأمين العام لـ"حزب الله" الى ما سماه "مؤتمر تأسيسي" لا تخرج عن كونها محاولة هروب الى الأمام، بل ومحاولة مكشوفة تماماً، على طريقة المثل الشعبي الذي يقول بـ"تكبير الحجر" من أجل عدم استخدامه.

وهي، إضافة الى ذلك، محاولة تطويق لدعوة رئيس الجمهورية الى استئناف طاولة الحوار، خصوصاً في ظل إصرار نصف اللبنانيين على الأقل على حل مسألة السلاح وتغيير الحكومة قبل أي شيء آخر. ومن هذه الزاوية، فهي مسعى الى توسيع جدول أعمال المتحاورين من أجل إغراقهم في التفاصيل ووضع الحوار مجدداً أمام الطريق المسدود اياه. ولا يعني غير ذلك، في واقع الأمر، عدم حماس أقرب حلفاء "حزب الله" للدعوة التي أطلقها أمينه العام، الى حد أنه بدا أشبه ببرود جليدي وكامل من قبل هؤلاء الحلفاء ازاءها.

هل كان السيد حسن يعرف أن مبادرته ستولد ميتة؟.

غالب الظن أنه كان يعرف، بل وأكثر أنه يعرف أن لا عصب لها ولا قدرة على الحياة. واذاً، فلماذا عمد الى إطلاقها مع ذلك كله؟.

للأسباب التي سبق ذكرها: الهروب الى الأمام من جهة أولى، ومحاولة إبعاد الكأس المرة من جهة ثانية. والأهم أنه يظن أنه يمكن أن ينجح في محاولته هذه مرة أخرى الآن.

ولعل هذا الظن بالذات يكون النقطة الأولى في جدول أعمال طاولة الحوار التي دعا اليها الرئيس سليمان عندما تبدأ أعمالها في القصر الجمهوري غداً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل