#dfp #adsense

دوافع إثنية وإيديولوجيّة في كلام لافروف

حجم الخط

اتخذ وزير الخارجية الروسيّ سيرغي لافروف من المؤتمر الصحافي الذي عقده أمس الأوّل، مناسبة لقول شيء ما حول العلاقات الدوليّة، وليس فقط حول الأزمة السوريّة، والمنعطف الذي بلغته، والتصوّر الروسيّ الهادف إلى حلّها.

فقد نوّه السيد لافروف بما أسماه "براغماتية" الأميركيين، ودعا الجميع إلى الإقرار بأنّ العلاقات الدولية هي علاقات تسير فيها كل دولة وراء مصالحها النفعية المباشرة كدولة، دون أي عائق أيديولوجيّ أو قانونيّ أو أخلاقيّ أو داخليّ أو دوليّ، منتظراً بالتالي ألا يكون للأميركيين من حيث هم أرباب البراغماتية أي عذر لرفض مشاركة ايران في مؤتمر دوليّ يبلور حلاً للأزمة السوريّة، ويبرز صدارة روسيّة أساسيّة، بحيث تبدو فيه طهران على يسار موسكو، وواشنطن على يمينها. طبعاً، لا يمرّ مثل هذا التذكير الروسيّ للأميركيين بفضيلة البراغماتية دون جملة مفارقات، أوّلها ظهور الرّوس بمظهر من هم أعلم من الأميركيين أنفسهم بمصالحهم، وبمظهر من يريد أن يعالج الأميركيين من عقدة نفسية تتصل بإيران!

أمّا المفارقة الثانية، فهي أنّ لافروف لم يشرح في مؤتمره الصحافيّ هذا، وبالشكل "البراغماتيّ" اللازم، للقيمة الإضافية التي يمكن أن يؤمّنها حضور ايران للمؤتمر المنشود، إلا أنّ أجزاء أخرى من حديثه توحي بأنّ طلبه هذا لا يعود إلى صفة ايران كحليفة للنظام السوريّ فحسب، بل إلى تعريف روسيّ للأزمة السوريّة على انها مركز الثقل في الصراع المذهبي الإقليميّ السنّي الشيعيّ حالياً، ما يعني بالتالي تطوّعاً روسياً لاعتبار ايران هي الدولة المعنية مباشرة بأوضاع الطائفة العلويّة في سوريا في مرحلة ترنّح ثم سقوط هذا النظام، متجاوزاً بذلك واقعة الإختلاف المذهبيّ بين المذهب الرسميّ للدولة الإيرانية ولأكثرية الإيرانيين، وبين المذهب العلويّ، فضلاً عن الإختلاف الأيديولوجيّ بين النظام "الديني" في ايران والنظام "العلمانيّ" في سوريا. بالتالي، لا تمضي هنيهات على تعريف لافروف للعلاقات الدولية على أنّها سعي وراء مصالح عملية للدول كدول، حتى يعود فيعرّفها على أساس سياسات الهوية والقرابة بين الدول والجماعات، وهذا لا يناسب تعريف البراغماتية والواقعية في شيء.

هذه الحماسة الزائدة عند لافروف لتعريف السياسات الدولية بالمصالح والواقعية والبراغماتية، تعكس ثقافة رائجة في المعاهد الديبلوماسية الروسيّة منذ فترة. فالروس أصبحوا يوهمون أنفسهم بأنّ السياسة الخارجية لبلادهم كانت ضحية "مثاليّات وعقائد" في الماضي، من سلافية أرثوذكسية في زمن القياصرة، إلى شيوعية أممية في زمن البلاشفة، إلى ليبراليّة في زمن بوريس يلتسن، وأنّ التوأم بوتين ميدفيديف لوحده هو من أهداهم إلى الواقعية والبراغماتية ولغة المصالح.

لكن هذه الحماسة "الأيديولوجيّة" للواقعية والبراغماتية سرعان ما ترتدّ إلى نقيضها، فليس صحيحاً تماماً ما تحاول أن تروّجه السياسة الروسيّة عن نفسها، وما يعيبه عليها أخصامها أو المتضرّرون منها، من أنهّا تجري وراء المصالح النفعية فقط. هذه السياسة الروسيّة تنفعل أيضاً باحتقان ناشئ عن فقدان المكانة الدوليّة، ومن كون هذه الخسارة لم تنشأ بسبب من هزيمة خارجية، ذلك أنّ الروس خرّبوا اتحادهم السوفياتيّ بأيديهم، ثم عادوا يقولون إنّه غرّر بهم. ليس هذا ما يقوله أيتام الشيوعية في روسيا فقط. بوريس يلتسن انهى حياته الرئاسية بتهديد الغرب بالسلاح النووي، خلال زيارة له إلى بكين عام 1999، وأفاض في الحديث مراراً عن تخلّي الغرب عن وعوده بمساعدة روسيا وضمان مكانتها ما إن تخلع الأخيرة عن وجهها قناع الشيوعية.

هذا الإحتقان المزمن لا علاقة له بلغة المصالح الحيوية، بل بلغة استعادة المكانة المعنوية. وفي الأمر اختلاف أساسيّ. في المقابل، فإنّ كل مسعى الطاقم الحاكم في روسيا للإيحاء بالاختلاف الجذريّ بين نموذجي بوريس يلتسن وفلاديمير بوتين سرعان ما يصطدم بعنصر مشترك بينهما: كلاهما، ينتظر من الغرب الأطلسيّ نفسه، أن يترك كل مشاغله، ويتكفّل بأن يعيد بنفسه إلى روسيا مكانتها المعنوية المفقودة في العلاقات الدولية!

ليسَ صحيحاً أنّ العلاقات الدولية تتبع المصالح فقط. فهذه العلاقات مثلها في ذلك مثل أي علاقات بين البشر، هي خليط من "القيم" و"الأهواء" و"المصالح" و"الخرافات"، وفي الحالة الروسيّة تحديداً، يبرز هذا الخلط في أكثر أشكاله خضوعاً للتفسيرات السيكولوجية، حول مركّب النقص، والإحتقان، والخيبة.

ليس صحيحاً في المقابل أنّ روسيا اليوم هي دولة "مافيات" ليس إلا، ولا يهمها سوى مليارات بشّار الأسد، فهذا تبسيط وابتذال واستخفاف بالعقول.
روسيا اليوم هي دولة "احتقان" لا يقصّر كلّما وجد "متنفّساً"، وهو ما يصادف تكامله مع بُعد "شخصيّ" لا يمكن إغفاله يتعلّق بسيرغي لافروف تحديداً، فلافروف وقبل أن يسوّق لـ"تحالف الأقليّات" في صيغة اقتراحه للمؤتمر الدوليّ حول سوريا، فإنّه كثيراً ما يعجز عن اصطناع "حياديّة" بين أطراف النزاع في سوريا، مبرزاً منحى عاطفيّاً واضحاً، يتفرّد به عن النخبة الحاكمة في بلاده. فلافروف ليس بعيداً "من ما وراء البحار" قدر ما نتصوّر عن الشرق الأوسط. فهو أيضاً متحدّر من أقليّة عرقية، فوالده من أرمن تبليسي. وهذا، شئنا أم أبينا، يلعب دوراً في سلوك لافروف، أو على الأقل في التعابير والصيغ التي ينتقيها للتعبير عن موقف بلاده. أصوله القوقازية تجعله يرى القسم "القوقازي" فقط من الصراع في سوريا: تناحر إثني. وتجعله ينسى القسم "غير القوقازي" من هذا الصراع: فالنظام الذي يواجه ثورة الشعب السوريّ بأبشع المجازر منذ 14 شهراً، لا يُبقي خط الرجعة الذي يمكنه أن يظهر فيه لاحقاً على انه "المتحدّث الشرعيّ" باسم حقوق احدى الطوائف، في مواجهة الأخرى. صحيح أنّ المكابرة على الإنقسام الأهليّ الحاد في سوريا ما عادت تجوز، الا أنّ أقصى التسريع بإسقاط نظام آل الأسد هو الطريق الوحيد لإعادة هندسة سوريا الجديدة، بشكل لا ينتقل فيه الوضع من أقلية تضطهد أكثرية وأقليات أخرى، إلى أكثرية تضطهد الأقليات. لافروف يخلط تماماًَ بين المسألتين، وبكلامه يضرّ بالمصالح الحيويّة للأقليّات بالدرجة الأولى.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل