سينتظر اللبنانيّون بعد انتهاء الجلسة الأولى للحوار بلهفة، تحديد الجلسة الثانية استكمالاً للبحث، وهم لن ينتظروا البيان الإنشائي الطنّان والمدروس بعناية كي لا يقال فيه شيء يمكن أن يترك أثراً أو أملاً.
فطالما إنّ الجميع لا يراهن على حوار بات يعرف أنّه يجري على القاعدة التي وضعها السيّد حسن نصر الله، وهي قاعدة الكلام من أجل الكلام، فإنّ تحديد الجلسة الثانية بعد أسابيع يبقى مرجّحاً، وربّما يعود ذلك إلى استنفاد جرعات المورفين، طالما إنّ الهدف الوحيد المعلن هو تحويل هذه الطاولة إلى غرفة عناية فائقة، ولو من دون وجود المعدّات اللازمة لإجراء عملية جراحية.
وإذا كانت بعض الوعود التي أعطيت للكتائب أو للبطريركية المارونية، أو لرئيس الجمهورية كي يتشجّعوا ويشجّعوا على المشاركة، لن تظهر معالمها قبل الجلوس على الطاولة، فإنّ ما من أيّ مؤشّر يمكن أن يقود إلى توقّع حصول أيّ اختراق ربّما يكون ناتجاً عن واقعية في السياسة هبطت فجأة على من عطّلوا الحوار السابق بذريعة شهود الزور.
وإذا ما تمّ استعراض المحاور الممكنة للحوار بإيجاز، فإنّ نظرة إلى الوراء تكفي للقول بأنّ فريق 14 آذار الذي سيتوجّه اليوم إلى بعبدا، لن يجد لدى «حزب الله» ما يمكن التحاور عليه، بعد أن أقفل الأخير كلّ الجسور المؤدّية إلى التسويات.
فعلى ماذا ستتحاور قوى 14 آذار مع الحزب في موضوع المحكمة بعد أن ناور في الموافقة عليها، في حوار العام 2006 ليعود وينفّذ السابع من أيّار لإسقاطها، وليعود بعد الدوحة وانتخابات العام 2009 إلى إسقاط الحكومة ناقضاً اتّفاق الدوحة، وقرارات الحوار السابقة، ورافضاً في الوقت ذاته العودة إلى الحوار ذاته الذي يُكفّر اليوم كلّ من يرفض المشاركة فيه.
وعلى ماذا ستتحاور قوى 14 آذار مع «حزب الله» في موضوع السلاح، وهو الذي حدّد نتائج هذا الحوار قبل أن يرسل وفده التفاوضي. وليس ما يعلنه أمين عام حزب الله في هذا المجال، سوى ازدراء واضح بالحوار والمتحاورين، وكلّ ذلك يحصل تحت عباءة الاختباء بنقاش مزعوم حول الاستراتيجية الدفاعية، التي نجح الحزب في جرّ بعض أفرقاء 14 آذار إلى اعتمادها كمعيار للنقاش، في وقت كان يفترض بهذه القوى أن تشترط الحوار حول بند واحد هو بند السلاح الخارج عن الدولة، لا أن تذهب إلى التعامل بجدّية مع الاستراتيجية الدفاعية، وصولاً إلى تقديم تصوّر لاستراتيجيات رفض حزب الله الاستماع إلى مضمونها على طاولة الحوار.
وعلى ماذا ستتحاور قوى 14 آذار مع «حزب الله» في موضوع السلاح الفلسطيني خارج المخيّمات، أو في موضوع السلاح السوري المنتشر في طرابلس؟ فهل لدى الحزب النيّة بسحب هذا السلاح، وهل يملك قرار التأثير بما يوزّعه النظام على حلفائه من أدوات لاستدراج هزّ الاستقرار؟ وكيف يكون الحوار مع طرف أثبتت التجارب منذ العام 2006 أنّه لا يمتلك القرار في القضايا التي يتمّ التحاور حولها؟
ما يتبقّى بعد هذه الأسئلة التي يعرف أجوبتها «حزب الله» كما قوى 14 آذار، احتمال ضئيل بأن يكون الحزب قد قرّر ظرفيّاً عدم التماشي مع النظام السوري في سعيه لتفجير الوضع الداخلي، وأن يتمّ استثمار هذا الاحتمال بشراء الوقت من خلال الحوار الشكلي، ريثما يحسم المشهد السوري، وهذا يمكن أن يترجم على شكل تهدئة تتيح للجيش أن يستعيد بعضاً من قدرته على منع تحوّل الفتن المتنقلة إلى حرب أهليّة، كما يريدها النظام السوري.
هذا الاحتمال يبقى مرهوناً بما سيحصل بعد سقوط النظام، وبالخيارات التي سيضعها الحزب على الطاولة، المتوقّع أن تتعامل مع مرحلة متغيّرة، ستستدعي حكماً الانتهاء من طاولة الحوار وتفعيل طرح المؤتمر التأسيسي، للتشويش على مطلب سحب السلاح، وربّما للعمل على تطيير كلّ الاستحقاقات الدستورية المقبلة وأوّلها الانتخابات النيابية.