#dfp #adsense

بيع الأراضي.. هل المخاوف مُبرّرة؟

حجم الخط

كتب أنطوان فرح في صحيفة "الجمهورية":

يستأثر ملف بيع الأراضي في لبنان، باهتمام واسع، ويطفو الى السطح على شكل أزمة، كلما لاحت تباشير صفقة بيع عقارية كبيرة لأجانب. هل هواجس الناس في محلها؟ وما هي الفوائد التي يجنيها البلد من قانون تملّك الأجانب؟ وماذا يخسر اقتصادياً إذا ألغى هذا القانون وأقفل الملف.
تلة المير، تلة الرياض، تلة تلات تمانات (888)، تلة الصليب… تطول لائحة اسماء التلال التي خرجت الى الضؤ على وقع طبول الانذارات بأن لبنان يُباع الى الاجانب، وان اللبنانيين سيستفيقون يوما ليجدوا انفسهم بلا ارض، بلا هوية، بلا وطن.

مقاربة هذا الملف من الزاوية الاقتصادية، وبحث تفاصيله، والخروج باستنتاجات اذا ما كان السماح بتملّك الاجانب يخدم الاقتصاد الوطني ام لا، لا يبدو منطقيا في الحالة اللبنانية، لاعتبارات عدة ليس اقلها، ان ما يُقال في العلن عن خوف من تملّك الاجانب هو في الواقع خوف طائفي سببه التوازنات الطائفية القائمة في البلد.

قبل الولوج الى دهاليز الخوف الذي يشعر به اللبناني، سيما المسيحي، حيال موضوع بيع الارض، لا بد من استعراض قانون تملك الأجانب، القائم على المبدأ التالي: يحتاج الأجنبي الراغب في التملك في لبنان الى ترخيص يمنحه اياه مجلس الوزراء. ويُستثنى من الحصول على ترخيص، الاشخاص غير اللبنانيين أو المعتبرين بحكم غير اللبنانيين الراغبين بتملّك عقارات مبنية أو مخصصة للبناء لا تزيد مساحتها في جميع الاراضي اللبنانية على ثلاثة آلاف متر مربع. وفي تفسير اوضح للقانون يسمح للاجنبي بتملك ما مجموعه 3 آلاف متر مربع على كامل الارض اللبنانية، وكل اجنبي راغب في تجاوز هذا السقف يحتاج الى ترخيص من مجلس الوزراء.

في المقابل، راعى قانون تملك الاجانب، معالجة احتمال وصول حجم البيع الى مستويات غير مقبولة، وحدّدت المادة 7 النسبة المئوية القصوى التي يجوز للأجانب تملكها في الحقوق العينية العقارية في لبنان، وهي على النحو الآتي:

– لا يجوز أن يتجاوز ما يمتلكه الاشخاص المعنويون غير اللبنانيين أو المعتبرون بحكم غير اللبنانيين، في جميع الاراضي اللبنانية الثلاثة بالمئة (3٪) من مجموع مساحتها، على أن لا تتعدى 3٪ (الثلاثة بالمئة) في كل قضاء من مجموع مساحتها، ولا تتعدى في محافظة بيروت العشرة بالمئة (10٪) من مجموع مساحتها.

من خلال القانون، يتبين ان الامور يُفترض ان تكون مضبوطة، وبالتالي، لا ينبغي ان يسود الهلع كلما بيعت أرض الى اجنبي. ومن الواضح ان مندرجات القانون عصرية ومقتبسة في غالبيتها من قوانين اوروبية متطورة، ويُفترض انها تساهم في تحفيز الاستثمارات وانعاش الاقتصاد الوطني.

لكن الحسابات على الورق تختلف عن الحسابات الواقعية. لاعتبارات عدة من أهمها:

اولا – لا وجود لرقابة فعلية على تطبيق القانون، بحيث ان نسبة الـ3 في المئة التي نصّ عليها القانون، يتردّد في اكثر من قضاء انه تمّ تجاوزها.

ثانيا – ان التحايل على القانون يكاد يكون القاعدة، بحيث ان قسما من الاراضي التي يمتلكها اجانب مسجلة باسماء مواطنين لبنانيين، مقابل ضمانات قانونية تسمح للمالك الاصلي بالحصول على العقار متى قرّر ذلك.

ثالثا – ان السلطة الاستنسابية التي منحها القانون لمجلس الوزراء، يجري استغلالها بشكل سيء ينطوي على الكثير من الفساد، بحيث صار كل اجنبي راغب في إقامة مشروع استثماري، او تشييد منزل مع عقار واسع حوله تتجاوز مساحته الثلاثة آلاف متر مربع، مضطرا الى إرضاء احد الوزراء لكي يساعده على الحصول على ترخيص من مجلس الوزراء.

رابعا – استخدام ملف بيع الاراضي في المواجهات السياسية، الامر الذي أدّى الى تناول هذا الموضوع بشكل مبتذل واستفزازي بالنسبة للمستثمرين او الراغبين في التملك في لبنان.

خامسا – التركيبة الطائفية في البلد التي لا تسمح بمقاربة موضوعية للملف، والتعاطي معه على قدم المساواة بين كل الفئات، ودراسة الجدوى الاقتصادية منه. هذه التركيبة تجعل المسيحي خائفا من تملك الاجانب على خلفية تملك المسلمين لأرض المسيحيين. ويدفع الى هذا الخوف المبرّر أحيانا، تزايد الخلل الديموغرافي لمصلحة المسلمين. ويجري تصوير الامر، على انه مؤامرة منظّمة للتغيير الديموغرافي، في حين انها لا تعدو كونها أحيانا، مجرد حاجة للتوسع تماشيا مع الانتفاخ الديموغرافي، او رغبة في التملك في بلد يعتبره العرب، والخليجيون خصوصا، موطنا استثنائيا لا يقل روعة عن اوروبا. ومعظم الخليجيين الذين يتملكون القصور الفخمة في لبنان، يملكون قصورا اخرى في اكثر من بلد اوروبي.

من هنا، ومن الوجهة الاقتصادية، من الصعب العودة الى الوراء في مسألة تملك الاجانب. خصوصا ان الدول الخليجية نفسها، والتي تعتبر الاكثر تحفظا وانغلاقا في هذا الموضوع، بدأت منذ العام 2000 في تغيير قوانينها للسماح بتملك الاجانب. صحيح ان هذه القوانين لا تزال، في بدايتها، ولا يمكن مقارنتها بالقانون اللبناني المتسامح في هذا الموضوع، لكن الصحيح ايضا، ان كل الدول الساعية الى الازدهار الاقتصادي تعمل على الانفتاح في هذا الاتجاه، وآخرها تركيا التي قرّرت السماح للأجانب بالتملك، الامر الذي أدّى الى ارتفاع أسعار العقارات فيها الى مستويات غير مسبوقة.

انطلاقا من واقع ان القوانين في لبنان، لا يمكن ضبطها بسبب الفساد المستشري، وانطلاقا من ان الواقع الطائفي يحتّم مراعاة مخاوف كل الأطراف، يبدو اقتراح الايجار الطويل الأمد، حلا مقبولا، لأنه يسمح بطمأنة اللبنانيين الى ان ملكية الارض باقية معهم على المدى الطويل، ولا يؤثر على عجلة الاستثمارات الاجنبية والمحلية. هذا النهج معتمد في املاك الاوقاف الدينية حيث يُمنع بيع الارض، ويُستعاض عنه بالايجار الطويل الامد. وتُظهر هذه التجربة اهتمام المستثمرين بهذا النوع من الاستثمارات.

لكن هذا الاقتراح، وفي حال اعتماده لن يحول دون استمرار الجدل حول بيع الاراضي، على اعتبار ان الهاجس الاهم يتعلق بموجة بيع المسيحيين لأرضهم الى مواطنين مسلمين. وهذا الأمر يبدو عصيا على الحل، ولو ان بالإمكان تخفيف اندفاعته من خلال بعض الاجراءات التي بوشر باتخاذها.
 

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل