إنه حوار الآخرين في لبنان، وليس حواراً بين اللبنانيين من أجل لبنان. حوارٌ في ظل الإرهاب الفكري والمعنوي والمادي الذي يمارسه "حزب الله" على اللبنانيين… إنه حوارٌ في ظل الإستبداد وفرض الرأي والإنقلاب على إرادة الناس الحرة… إنه حوارٌ بين آدميين وآلهة، بين مسلحين وعُزَّل، بين ضحية وجلاد، بين هدفٍ ثمين وقنّاص فاشل، بين أولياء دم وأولياء متهمين بالقتل… إنه حوار مع مسدس، يريد "حزب الله" من خلاله خطف الحوار، وأخذ المتحاورين رهينة (على طريقة خطف الأجانب بداية الثمانينات)، وذلك حفاظاً على السلاح الإقليمي الذي يمتلكه، ألم يعلن "حزب الله" عبر أحد صغاره في مجلس النواب: "لا تمزحوا مع السلاح، هيدا السلاح ما بينمزح معو"… إنه حوار مع أصنام، يراد من خلالها تقطيع الوقت في انتظار وضوح الصورة الإقليمية. أليس "حزب الله"، الطرف الوحيد، الذي لم يقدم رؤيته حول الاستراتيجية الدفاعية الواجب اعتمادها للدفاع عن لبنان في وجه المخاطر الخارجية التي تتهدده؟ أليس من السذاجة الإعتقاد بأن من مجّد 7 أيار يريد فعلاً أن يحاور ضحايا أمجاده؟
حاول سمير جعجع أن ينقذ الحوار من الفشل المحتّم، سعى لانعقاده في النور وليس في العتمة، سعى لإعلان نيّات حول تنفيذ ما اتفق عليه في الحوارات السابقة، كما سعى لترحيل حكومة الشؤم المتمادي، والإستعاضة عنها بحكومة حيادية تدير البلاد حتى الإنتخابات النيابية المقبلة. أتى الجواب بأن الظرف دقيق وبأن الوضع لا يحتمل وضع الشروط. فات الجهابذة بأن الوضع الدقيق يفترض أولاً وحكماً رحيل الحكومة العقيمة، التي لم تنجز حتى الساعة سوى الإتفاق على استبدال أحد وزرائها. حكومة صفراء أتى بها انقلاب أسود، تفوح منها رائحة السمسرات والعمولات، وتنهشها الخلافات بين أقطابها، حكومة تعجز عن انتقاد انتهاك جيش النظام السوري للحدود اللبنانية، وتعجز عن عقد اجتماع طارئ لمواجهة حوادث طرابلس، وتعجز عن إتمام التعيينات، ورفع الأجور للقطاع العام، ومعالجة ملف الكهرباء والبواخر، وتعجز عن طرح ملف ما يسمى بشهود الزور الذي استخدمه "حزب الله" وعون لمقاطعة الحوار السابق. هذه الحكومة الفاشلة، التي منعت داتا الإتصالات عن الأجهزة الأمنية، تنفيذاً لأوامر ورغبات أسيادها، ترزح اليوم تحت وطأة التفلت الأمني في أكثر من منطقة، وازدياد عمليات الخطف والسرقات وأعمال القتل وانتشار السلاح. حكومة عاجزة، صمّاء بكماء يريدون لها المشاركة في الحوار لمراكمة فشل جديد على سجلها الأسود.
وفجأة، هبط وحي الحوار على الجميع. لم يعرف اللبنانييون ماذا حقق الحوار السابق ولماذا توقف، وبالطبع لم يعرفوا لماذا يعود الأفرقاء اليوم إلى الحوار، ما دام الكل متمسك بقناعاته وخياراته وبعضهم متمسك بسلاحه. أما أصحاب مشروع العبور إلى الدولة، فنراهم يعبرون إلى الدويلة عبر الرضوخ لشروطها. يذهبون إلى الحوار بالرغم من استمرار غياب سعد الحريري لدواع أمنية وبعد أسابيع من محاولة اغتيال جعجع.
يذهبون إلى الحوار في ظل حكومة إنقلابية شكّلها النظام السوري و"حزب الله"، ومعظم وزرائها ينتمي إلى الفريق الذي خسر الإنتخابات النيابية. يذهبون إلى الحوار من دون الحصول على تعهد بتطبيق ما اتفق عليه في جلسات الحوار السابقة، لا سيما ما يتعلق بالمحكمة الدولية، خاصةً ان القرار الظني قد صدر وأسماء المتهمين وانتماءاتهم معروفة، وهم في حماية "حزب الله". يذهبون إلى الحوار بمن تبقى منهم بعد سلسلة الإغتيالات التي طالتهم، وربما قد لا يبقى منهم من يحاور في جولات الحوار اللاحقة. يذهبون إلى الحوار من دون تأمين الحد الأدنى من شروط نجاحه، على شاكلة حوار لاسا بين البطريرك وميليشيات الأمر الواقع حيث لا تزال أراضي الكنيسة تصادر وتقضم يوماً بعد يوم.
وحدها "القوات اللبنانية" كانت صادقة مع نفسها ومع مؤيديها ومع اللبنانيين عامةً. فحاولت أن تذهب إلى حوار جدّي، ينتج عنه قرارات صادقة تعمل الأطراف كافة على تنفيذها. حوار يليق بشهداء ثورة الأرز وتضحياتهم. حوار يؤسس لدولة فعلية، سيدة، حرة، مستقلة، تحتكر القوة عبر حصر السلاح بمؤسساتها الأمنية دون سواها. وحدها "القوات اللبنانية" رفضت الحوار التأسيسي لجمهورية المزارع اللبنانية المستقلة ووحده سمير جعجع حاول حيث لم يجرؤ الآخرون.