لن ينكسر القلم

القلم المعافى لا ينكسر، لا سيّما إذا كان في الأصل نزّاعاً الى الحريّة، ومن عاداته أن يرضي نزعة الكرامة لدى صاحبه. غسّان تويني ما غصبه الزمن بجفاف تصفيق الناس، لا لإنّ كلمته غيّبت كلام الآخرين بسطوتها والتمرّد، فهو رجل أبت عليه نفسه أن تستجيب لنداء الحزن المتتابع، فتكشّف عن نبل نقيّ ليس أقلّه التطلّع دوما الى الشمس. إنّ محكّ النوائب لم يزد تلك النفس إلاّ تحدّيا، فأكملت رحلتها في التاريخ غير متنازلة عن التفوّق الذي وقّعت معه عقدا أبديّا.

كان غسّان تويني دائم التلفّت لأن يكون أكثر من صاحب قلم، وتولّى ملكه لزمان. كان مفتونا بالذين طبعوا وجود لبنان بفكرهم الحرّ ورأيهم النيّر، وأراد أن يكون في ندوتهم، شريكا متشعّب المعرفة، والمعرفة عند أصحاب العقول عهود وذمم، فكان وفيّا لعهده بأنّ الوطن ليس عاجزا ولو شطّ الولاء عند كثر. حشد غسّان في لوحة حياته ألوان التضحية والشموخ والنضال والاحتمال والدفاع عن الحق، وكانت هويّته ثابتة الإنتماء الى الحريّة، فلم يجمع توقيعات، كغيره، لإثبات صفته التمثيلية لمبادئ السيادة والعدل والديمقراطية.

غسّان تويني زعيم من دون لقب، ومن دون تبّع. قاطع الشعب مقاطعته، وازداد اشتعالهم في تأييده يوم حاول الظلاميّون القبض على " النهار " ليتفرّدوا في التحكّم بالكلمة، ويودعوها ضريحا عميقا مغلّفا بالكلس لكي لا يفوح منها ما يصيب الناس بعدوى الجرأة. فحريّ إذاً أن توضع " نهار " غسّان على خارطة الوطن السياحيّة ليعاين الزائرون هناك حقيقة لبنان.

كان غسّان تويني في لقاء مستمرّ مع الأرض، هذه التي كوّنت أسس إيديولوجيّته وشكّلت بنية لكتاباته أديبا وخطيبا وسياسيا راقيا وعلما إعلاميا فذّا، وهي التي تحضّ على الوطنيّة وتتصدّى لكمّ الحريّات. فكأنّه تسلّم وكالة حصريّة للدفاع بحدّة عن الأرض ومقامها المقدّس، فأضحت الأرض معه هي القضيّة ورصيد النضال، بعد أن تقهقر مفهومها من مركزيّة تكوين الهويّة، الى رمز فضفاض خاو يستجلب للإستمالة الموسمية في خطب ممتهني السياسة الرخيصة، المستجدين للتصفيق.

غسّان تويني شقّ بصره على الكفاح فظهرت بواكير وعيه السياسي قلما يهتف للحريّة، ونسج
لنفسه رداء وطنيّ الزيّ والخيوط، في زمن ستر رجاله عري آرائهم بغلالات رثّة خيطت في خارج الخارطة، لذا ما كان قلمه يوما إلاّ مستفزّا، مستنهضا أولئك الذين كتب السوط فوق أفكارهم صكّ الانصياع. من هنا، كان همّ كارهيه إعدام عقله، وباؤوا بيأس قتّال، فحبره لم يقض شهيدا، وكلمته لم تحبس في دواة بل اعتلت منابر الناس ونشّات أجيالا تقول: لا.
غسّان، إنّ كلّ قلم عندنا يقول لك: وداعا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل