الأربعاء الثّالث من زمن العنصرة
قراءةٌ من القدِّيسِ يوحنَّا فمِ الذَّهب (+407) الأَسرار الرَّهيبة (عظة 46 من القدِّيس يوحنَّا)
إِنَّ الأَسرارَ الَّتي سلَّمها يسوعُ المسيحُ كنيستَهُ مخيفةٌ حقًّا. أَلمذبحُ الَّذي تُذبحُ عليهِ الضَّحيَّةُ الإِلٰهيَّةُ رهيب. كانَ يخرجُ منَ الردوسِ ينبوعٌ يتوَّزعُ في كلِّ الجهاتِ أَنهرَ مياهٍ محسوسة، ومنْ هٰذهِ المائدةِ تفجَّرَ ينبوعٌ يوزَّعُ أَنهرًا روحيَّة. يقومُ على جوانبِ هٰذا الينبوعِ لا أَشجارُ صفصافٍ عقيمة، بل أَشجارٌ يبلغُ ٱرتفاعُها إِلى السَّماء، تحملُ دومًا ثمارًا موسيميِّةً ولا تذبلُ أَبدًا.
إِذا كان أَحدٌ يحترق، فليذهبْ إِلى هٰذا الينبوعِ يُخفِّفُ ٱحتراقهُ، ويُزيلُ الحرارة، ويُبرِّدُ كلَّ محترقٍ وملتهب، وكلَّ ما أَشعلتهُ سهامٌ ناريَّة. يتلقَّى هٰذا الينبوعُ مندفقهُ من علُ، منَ السَّماء، وهناكَ يتجدَّد. يتفّرَّغُ جملةَ جداول، يُجريها الرُّوحُ القدسُ وابنُ يوزِّعُها. وهو لا يستخدمُ أَداةً يشقُّ لها القناة، بل يفتحُ قلوبنا ويؤَهِّبُنا لقبولها.
هٰذا الينبوعُ ينبوعُ نورٍ يُوزِّعُ أَشعَّةَ الحقيقة.
هناكَ الفضائلُ السَّماويَّةُ تتأَمَّلُ في جمالِ الينابيعِ والأَقنية، لأَنَّها أَعرفُ بخطورتهِ منَّا، وأَحدُّ نظرًا إِلى النُّورِ الصَّعبِ المنال. كما لو أَنَّ واحدًا غمسَ يدهُ أَو لسانَهُ في ذهبٍ سائل، يخرجُ مُذهَّبًا، كذٰلكَ المشتركون في الأَسرارِ المقدَّسة، الَّتي نحنُ في صددِها، يُحوِّلون، على أَحسِّ واقعٍ، نفوسهم إِلى ذهب.
هٰذا النَّهرُ يُغلي الماءَ إِلى أَعلى درجاتِ الغليان، إِلى أَحدَّ منَ النَّار، ولٰكنَّهُ لا يُحرقُ بل يغسلُ فقط ويُطهِّر. إِنَّ مذابحَ الشَّرائعِ القديمةِ وطقوسها ومُحرقاتها، كانتْ رمزًا يعلنُ قبلَ هٰذا الدَّمِ الثَّمين. فهاكمْ ثمنَ فداءِ العالمِ أَجمع، هاكمُ البدلَ الَّذي ٱشترى بهِ المسيحُ كنيستَهُ، وبهِ يزيِّنُها ويجمِّلُها بجملتها. وكما أَنَّ منْ يشتري عبيدًا يدفعُ ثمنهُم ذهبًا ويلبسهُم ثوبًا مذهَّبًا، إِذا أَرادَ أَن يزيِّنهُم ويجمِّلهُم، كذٰلك ٱشترانا وزيَّننا يسوعُ المسيحُ بدمهِ. إِنَّ الَّذين يشتركونَ في هٰذا الدَّمِ يعيشونَ صحبَ الملائكَةِ ورؤُساءِ الملائكةِ والقوَّاتِ السَّماويَّة، متوشِّحينَ بثوبِ يسوعَ المسيحِ الملكيّ، ومدجَّجين بأَسلحةٍ روحيَّة. بل هُم يتوشَّحونَ الملكَ نفسَهُ.
الرّسالة: رسل 7: 1-8
خطبة إسطفانس
1 وقالَ عظيمُ الأحبار: "هل الأمرُ كذلك؟".
2 فقالَ إسطفانس: "أيّها الرّجالُ الإخوة والآباء، ٱسمعوا: إنّ إلٰهَ المجدِ قد تراءى لأبينا إبراهيم، وهو في بلادِ ما بينَ النّهرين، قبلَ أن يسكنَ في حرّان،
3 وقالَ لهُ: أخرجْ من أرضكَ ومن عشيرتكَ وهلُمَّ إلى الأرضِ الّتي سأريكَ إيّاها.
4 حينئذٍ خرجَ إبراهيمُ من أرضِ الكلدانيّين، وسكنَ في حرّان. ومن هناك نقلهُ الله، بعد موتِ أبيه، إلى هٰذه الأرضِ الّتي أنتم الآنَ فيها ساكنون.
5 ولم يعطهِ فيها ميراثًا، ولا موطئَ قدَم، ولٰكن وعدَ بأن يعطيها لهُ مِلكًا، ولنسلهِ من بعدِهِ، مع أنّه لم يكن لهُ ولد.
6 وتكلّمَ الله هٰكذا: سيكونُ نسلهُ غريبًا في أرضٍ غريبة، فيستعبدونهُ ويسيئونَ إليهِ أربعَ مئةِ سنة.
7 والأمّةُ الّتي سيُستعبدونَ لها سأدينها أنا، قالَ الله، وبعد ذلكَ سيخرجونَ ويعبدونني في هٰذا المكان.
8 ثمّ أعطى الله إبراهيمَ عهدَ الختان، وهٰكذا ولدَ إسحٰقَ وختنهُ في اليومِ الثّامن، وإسحٰقُ ولدَ يعقوبَ وختنه، ويعقوبُ ولدَ الآباء الأوّلينَ اثني عشَرَ وختنهم.
شرح آيات الرّسالة:
1-53 خطبة إسطفان: أطول خطبة في أعمال الرّسل، ممّا يدلّ على أهمّيّتها. تبدأ الخطبة بقصّة إبراهيم (7/2-8)، فيوسف (7/9-16)، فموسى (7/17-43)، ثمّ تنتقل إلى بناء الهيكل على يد سليمان (7/44-50)، وتنتهي بتهديد وشكوى (7/51-53). ويطيل إسطفان في الكلام على موسى، يرى فيه مثالا ليسوع: حمل موسى ما سوف يحمل يسوع من رسالة وخلاص، وتحمّل ما سوف يتحمّل يسوع من رفض وعصيان.
2 رسل 22/1؛ مز 29/3؛ تك 11/31-12/1.
قبل أن يقيم في حرّان: يستند إسطفان إلى تقليد غير كتابيّ، وارد لدى فيلون الإسكندريّ ويوسيفوس المؤرّخ. أمّا الكتاب المقدّس فيذكر أنّ تلك الرّؤيا تمّت في حرّان (تك 11/31).
3 تك 12/1.
4 تك 11/31-12/1، 5؛ 15/7.
5 تث 2/5؛ تك 12/7؛ 13/15؛ 15/2، 18؛ 17/8؛ 24/7؛ 48/4؛ تك 16/1.
6-7 تك 15/13-14.
7 خر 3/12.
في هٰذا المكان: هو جبل حوريب حسب خر 3/12، وهيكل أورشليم، في نظر إسطفان.
9 تك 17/10-14؛ 21/4.
الإنجيل
يو 16: 16-19
حزن يؤول إلى فرح
16 عمَّا قليلٍ لن تَرَوني، ثمَّ عَمَّا قليلٍ تَرونَني".
17 فقال بعضُ تلاميذه فيما بينهم: "ما هٰذا الّذي يقوله لنا: عمَّا قليلٍ لن تروني، ثم عمَّا قليلٍ ترونَني، وإنّي ذاهبٌ إلى الآب؟".
18 وكانوا يقولون: "ما هوَ هٰذا القليل الّذي يتكلَّم عنهُ؟ لا نعرفُ عمَّا يتكلَّم".
19 وعرَفَ يسوع أنَّهم يُريدونَ أن يسألوه، فقال لهم: "هل تتساءلون فيما بينكم عن قولي هٰذا: عمَّا قليلٍ لن تروني، ثمَّ عمَّا قليلٍ ترونَني؟
شرح آيات الإنجيل:
16 يو 7/33؛ 14/19.
عمّ قليل لن تروني… ترونني: يُنبىء يسوع تلاميذه بموته وقيامته. يستعمل الإنجيليّ للرّؤية فعلين مختلفين، ليُظهر الفرق بين رؤية يسوع قبل موته، ورؤيته بالإيمان بعد قيامته، وهي رؤية جديدة وأعمق لسرّ إبن الله المتأنّس، القائم في المجد.
18 ما هو هٰذا القليل: تضيف مخطوطات: "الّذي عناه"، أو "الّذي قاله".
20 يو 1/48؛ 9/2؛ لو 9/45.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (صلاة الشّحيمة الزّمن العاديّ جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1982).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلاح بكرم الرّبّ.