#dfp #adsense

هيئة الحوار الوطنيّ والدولة المسخ

حجم الخط

 "إذا كنتُ على وشك الفرار… وأتت القوانين والدولة إليّ وسألتني: "قل لي يا سقراط، ما الذي تنوي فعله؟ ألا تقصد بما تحاول القيام به أن تدمّرنا (نحن) القوانين والدولة بأسرها… أوتظنّ أنّ دولة يمكن أن تكون ولا تُقلب (إذ تمسي) القوانين التي اتّخذتها محاكمُها بلا قوّة، بل يلغيها أفراد ويبطلونها؟".
(أفلاطون، كريتون)

كيف يمكن هيئة وطنيّة تجاوزت الشرعيّة ونسبت إلى نفسها قوّةً تفوق قوّة مؤسّسات الدولة أن تعزّز حكم القانون وعمل المؤسّسات؟ لقد كان سقراط على حقّ عندما رفض الفرار من سجنه وآثر الخضوع لحكم قضاة دولته أيًّا كان، على تجاوز القانون، لأنّ في ذلك خروجًا على الدولة وأذى لها وللخير العام. لا يمكن أن يتعزّز السلم الأهليّ ويتطوّر الاقتصاد والمجتمع من دون حكم القانون. ولكن كيف سيحكم القانون في لبنان وهو في آن واحد دولة لها دستور وقوانين ومؤسّسات شأن كلّ دولة حديثة، وتقليد سياسيّ يصطبغ باللون الطائفيّ يتجاوز الدستور والقوانين والمؤسّسات إلى حدّ نقضها؟

بالطبع، ليس هذا التقليد السياسيّ الذي يحوّل الدولة «مسخًا» حديث العهد، ولم يكن نتيجة اختيار اللبنانيّين، بل هو أمر واقع فرض نفسه نتيجة عوامل محليّة وإقليميّة معقّدة. ومن هنا الضياع في البحث عن حلول. لقد انتقد العديد من رجال القانون وعلماء السياسة هيئة الحوار الوطنيّ، لا لأنّها تفتقد الشرعيّة فحسب، بل لأنّها تدمّر- وربّما عن جهل- ما خشيه سقراط في القرن الرابع قبل المسيح أيضًا: الدولة والقانون والخير العامّ. فلماذا لا يكون الحوار ضمن مؤسّسات الدولة؟ وكيف يمكن بعدُ الكلام على إرادة لبناء دولة ومواطن؟ وبكلام آخر، مَن يصدّق أنّ بناء الدولة سيتحقّق من خلال مرجعيّة خارجة عن مؤسّسات الدولة ولا تبدو مؤمنة بحكم القانون؟

أضف إلى ذلك أنّ طريقة التعاطي مع المواضيع المطروحة على طاولة الحوار تهمل كليًّا خبرات الحوار السابقة وما أكثرها! يصف الدكتور فؤاد زكريّا العِلمَ بأنّه معرفة تراكميّة أشبه ببناء من طبقات، ينتقل سكّانه من طبقة إلى طبقة أعلى، أمّا الطبقات السفلى فتبقى بمثابة أسس للصرح كلّه. ينطبق هذا القول على خبرات الحوار الوطنيّ لو أنّ المتحاورين يتنبّهون إلى أنّ الخبرات الحواريّة تتراكم هي أيضًا. ولكنّ الذي يحصل سيناريو يتكرّر منذ تأسيس دولة لبنان في العشرينات. فجلسات الحوار تبقى حلبات صراع بين أخوة أعداء، وفسحة تؤثّر فيها القوى الإقليميّة والدوليّة في انتظار «تسوية» لا ترضي أحدًا، بل هي مجرّد هدنة يتحضّر فيها الأفرقاء لجولة قتال جديدة. تتغيّر بعض مواضيع الحوار وتتغيّر الوجوه، وتبقى طرق المعالجات سطحيّة وآنيّة؛ ويبقى نظام الحكم الناتج منه هشًّا، ما دام مفهوم السلطة وممارستها يقتصران على إدارة التوازن الحرج بين مصالح الطوائف والتحالفات الداخليّة والتجاذبات الخارجيّة، مُبقية الانتماء إلى الدولة أمرًا غامضًا.

ولكن كيف يمكن الخروج من هذه الحلقة المفرغة القاتلة؟ حلقة تدور فيها الدولة ودستورها وقوانينها ومؤسّساتها، وتقليد سياسيّ مهيمن ينفيها؟ كيف يمكن التأليف بين ذهنيّتين متناقضتين، ذهنيّة تريد بناء دولة حديثة مع ما يتطلّبه ذلك من ثقافة وطنيّة وذاكرة نقديّة لتاريخ لبنان الحديث وأحداثه الكبيرة، وذهنيّة تجد التقليد السياسيّ المصبوغ باللون التوافقيّ براغماتيّة لا بدّ منها وإن كانت في نهاية المطاف تحوّل الدولة مسخًا؟ لا يمكن أن نقطع الأمل بمن يؤمنون بقدرة اللبنانيّين على تجاوز ذهنيّة التقليد السياسيّ المهيمن. ولكن إزاء مثل هذا الوضع المعقّد، يبدو أن تذكّر اقتراحِ مخرجٍ طُرح في الستينات قد يحمل فائدة، وإن بقي إلى حدّ ما طوباويًّا: السموّ بالحالة الطائفيّة نفسها.

عُرف عن رنيه حبشي، فيلسوف العهد الشهابيّ، تأييده سياسة الرئيس فؤاد شهاب، الذي لاقى مخرجًا لأزمة 1958. فقد عرف الرئيس شهاب، في نظر حبشي، كيف يجمع في شخصه الشرق والغرب معًا، في وقت كان لبنان يتأرجح بين محورين كادا يطيحان سلمه الأهليّ وخصوصيّته، وبدا حياده مستحيلاً. ذلك أنّ العالم العربيّ انقسم معسكرين، الأوّل مؤيّد لحلف بغداد ومبدأ أيزنهاور ويريد مقاومة المدّ السوفياتيّ، والثاني مؤيّد للناصرية ومتقوٍ بالاتحاد السوفياتيّ ودول عدم الانحياز ويسعى لمقاومة المدّ الإمبرياليّ والنفوذ الغربيّ. وما كان بوسع لبنان أن يبقى بمنأى عن تلك التجاذبات، ولا سيّما في أعقاب الاعتداء الثلاثيّ على قناة السويس وإعلان الجمهوريّة العربيّة المتّحدة.

ولكن عندما حلّل رنيه حبشي أسباب أزمة 1958، رأى جذورها في الحالة الطائفيّة القائمة التي لا يمكن تجاوزها إلا بالسموّ بها، لا بالقضاء عليها. وهذا ممكن فقط بإحداث نهضة أو ثورة في الحقل الزمنيّ بواسطة الحقل الروحيّ. يتأسّف حبشي لأنّ هنالك من يلحّ على إلصاق الروحيّ بالزمنيّ بعناد غريب، يؤدّي في نهاية الأمر إلى القضاء على الروحيّ أو إلى حالة تخلف شديد. في حين أنّ المطلوب إبقاء الروحيّ حاضراً في الزمنيّ بغية أن يسمو به، من دون اختلاط بينهما. وهذا يعني عمليًا تحرير كلّ القيم الروحيّة، في المسيحيّة والإسلام، من تسلط الزمنيّ، بحيث تصبح تلك القيم طريق خلاص وتقدّم.

أمّا أهميّة هذا الخطاب اليوم فتكمن في أنّها تشير إلى ضرورة تحرير الخطاب الدينيّ السياسيّ، المسيحيّ والإسلاميّ على السواء، من سيطرة الحالة الطائفيّة بل المذهبيّة التي يوظّفها اللاعبون الكبار، بغية التذكير، من جهة، بضرورة الحفاظ على حياد لبنان الإيجابيّ إقليميًّا ودوليًّا. يتكلم حبشي، في الواقع، على «الحياد الإيجابيّ المتوسطيّ»، نسبة إلى عالم البحر المتوسط، الذي يؤلّف لبنان جزءًا منه. أمّا أساس هذا الحياد فهي الخبرة اللبنانيّة نفسها، بما فيها من شخصيّة تاريخيّة خاصّة صاغتها التقاليد والقيم الروحيّة المشتركة، والمصالح العامّة والتعدديّة والانفتاح الثقافيّ والاقتصاديّ. ومن جهة ثانية، يذكر تحرير الخطاب الديني السياسي بمعنى مبادىء الالتزام بالعمل السياسي نفسه، لعل ذلك يؤدّي إلى صحوة ضمير تنقذ لبنان. فيجب أن ينطلق كلّ عمل سياسيّ من سموّ الإنسان وكرامته وحقوقه الطبيعيّة، ومن مصلحة مجموع الأفراد، أو المجتمع السياسيّ، وهذه أمور تسلّم بها، بل وتدافع عنها كلّ الشرائع الدوليّة والأديان السماويّة. ولا حاجة إلى التذكير كم يكتسب هذا التعريف أهميّة في بلد مثل لبنان، لا يلبث يهتزّ مع كلّ تغيير إقليميّ، وتكتسب فيه مصالح الزعيم الأولويّة في العمل السياسيّ، وينطبع الالتزام السياسيّ بالزبائنيّة والمناطقيّة والتعصّب واللاعقلانيّة.

يمكن الروحيّ وقد تحرّر من الزمنيّ، أن يذكّر بأنّ كلّ سياسة جديرة بهذا الاسم تفترض تناسقًا بين الوسائل والغاية. فالغاية حاضرة في صميم الوسائل، وتتجلّى في الممارسة. فلا يمكن، على سبيل المثال، اعتبار التجريح في سمعة الخصم وتخوينه أو اللجوء إلى العنف أو نفي التعدديّة أو استغلال عاطفة الجموع أو غرائزها وسائل شرعيّة تخدم الغاية.

وفي السياق عينه، تبرز مسؤوليّة الخطاب الدينيّ السياسيّ في أن يوقظ ضمير السياسيّ، مسيحيًّا كان أو مسلمًا، على حالة الشدّ الحيوية التي يخلقها إيمانه في التزامه، وضرورة أن يعيش تلك الحالة بجرأة؛ أي عليه أن يعيش التزامه السياسي في ضوء الجدليّة القائمة بين الواقع والقيم التي يتسلّمها من إيمانه. ودوره هو أن يبثّ تلك الجدليّة في خطابه وسلوكه ومسؤوليّاته العامّة. وبقدر ما تشتدّ تلك الجدليّة حدّة في ضميره، تصبح سياسته أكثر صدقية وإنسانيّة.

ومن مسؤولية الخطاب الدينيّ السياسيّ أيضًا، مسيحيًّا كان أم مسلمًا، أن ينبّه إلى أنّ الصراع السياسيّ كما هو دائر في لبنان الآن ينطوي على خطرين: خطر الفوضى التي هي نفي للسياسة وتدمير كامل للدولة، وخطر الديكاتوريّة أو التوتاليتاريّة، المتمثّلة بالميل إلى القضاء على الخصم، وبالتالي نفي التعدديّة التي تؤدّي إلى سلطة لا تقبل المعارضة. لا شكّ في أنّ للروحيّ كلمة في العبور إلى دولة القانون.

المصدر:
النهار

خبر عاجل