ندرة أولئك الذين يصعب تصنيفهم، أو نسبتهم إلى مهنة أو موقع، فلا تكاد تنظر إليهم في رداء هذه أو ذاك، حتى تكتشف أن الاثنين، وغيرهما كثير، لا تتسع لهم.
غسان تويني من هذه الندرة. مفكر مثقف صحافي ديبلوماسي وزير نائب محاور مجدد مبادر مشارك. لكنه، قبل كل ذلك وبعده، هو الاستاذ، في كل ما تقدم، حتى كاد يكون مرتبة بذاته، وأسلوبا مفردا في الحياة العملية: ارتقى بـ"النهار" إلى العالمية، حتى صارت مرجعا، وفي مصافِّ كبريات صنوها الأميركيات والأوروبيات. تربت أجيال من أبناء المهنة على نهجها، بالعمل فيها حيناً، وبمتابعتها أكثر الأحيان. جعلها أكثر من صحيفة. باتت مدرسة في الصحافة وفي اللغة، وفي الفهم السياسي، وفي القيم العليا التي استخرجتها البشرية مما يجمعها ويوحد أخلاقياتها.
صارت الصحافة، بجهده ورؤيته، صناعة، وباتت الجريدة مؤسسة. لم تعد مهنة لمن يحسن الكتابة ونقل الوقائع، بل زاد في وهجها، بأن جعلها مرتجى المثقفين والمفكرين، ومحط حسد أهل السلطة، سياسة ومالا.
ومع غسان تويني، صار للانتخابات النيابية نكهة مختلفة، يوم خاضها ببرنامج سياسي إنمائي، لا بالشعارات والوعود، وأطلق "الثورة الزرقاء" مرشحا للنيابة، داعيا النظام إلى إنقاذ نفسه بملاقاة الدولة الحديثة، التي خبا وهجها بعد الشهابية، التي طاحنها، ولم تستطع طحنه.
هي الطليعية التي رمز إليها في حضوره الدائم عند المفاصل الكبرى في مسيرة لبنان السياسية، إن لم يكن قدّامها: لم يغب عن حركة الإمام موسى الصدر يوم واجه بذور الحرب الأهلية، وحضن، من مكتبه في الدور التاسع من مبنى "النهار" في الحمراء، معركة إسقاط الشهابية حين تحولت إلى حكم المخابرات.
كان قدره باستمرار أن يواجه القدر. واجه قدر الحرب في لبنان، وعلى لبنان، بإضاءة "النهار"، عند كل بارقة سلم، على احتمالات التفاؤل. وواجه المؤامرة على موضوعية "النهار"، حين سعى البعض إلى دفعها نحو أحد طرفي الحرب، بتأكيد تمسكها بالحقيقة، في وقت كانت هذه أمرا نسبيا.
وهو كان بدأ المواجهة مع القدر قبل ذلك بفقدان الأعز والأقرب إليه، فلم يزدد إلا صلابة. ولم ينسه الألم ديموقراطيته الأصيلة، إلا في اللحظة الأحلك يوم فقد أثره الأثير، نجله جبران الشهيد. يومها حسم النقاش، المظلل بالدموع والألم، باسكات الجميع قائلا: "أنا ديموقراطي لكن ليس اليوم. المانشيت غدا "جبران لم يمت، والنهار مستمرة". فهو فهم الرسالة التي أرادها القاتل، وردّ عليها باختصار وحزم.
لو كان للأستاذ أن يكتب مانشيت اليوم التالي لغيابه لكان "الأستاذ لم يمت، والنهار مستمرة".
و"النهار" يجب أن تستمر لأنها صورة لغسان تويني الذي صناعته تحدي القدر له. أسقطته السنون، ولم يسقطه التحدي.