ساًبقى دوماً ممتنّة لغسان تويني لأنه علّمني الصحافة كما أتقنها هو، والتي نادراً ما نشهد لها مثيلاً في أي مكان آخر من العالم. إنها الصحافة الحقيقية، ومهمّتها إعلام الناس وتنويرهم وإحداث فارق.
منذ أن أصبحت في سن تتيح لي تقدير المقال الصحافي الجيد، استمتعت بقراءة افتتاحيات غسان تويني يوم الاثنين. وكنت أقرأها بشغف وتأنٍّ شديدَين لسبب أناني جداً، هو أنني أردت أن أكون مستهلِكة ذكيّة للأخبار. هذا فضلاً عن أن قراءتها كانت متعة حقيقية: فهي من نِتاج كاتب عظيم ومفكّر فريد وإنسان أصيل يعبّر عن تفكير طليعي يعالج جيداً المواضيع المطروحة. كان يتميّز بقدرته على اختزال المسائل الأكثر تعقيداً في بضع مئات من الكلمات التي تنم عن فطرة سليمة، فكان يحيط بالموضوع من مختلف جوانبه بدءاً من نقطة الانطلاق وصولاً إلى المسار الذي تسلكه الأمور وإلى أين تتّجه من دون تفويت التفاصيل الأساسية الضرورية لفهم رؤيته الكاملة للمسألة المطروحة، ولذلك لم يكن يُقاوَم. هكذا أصبح غسان تويني، عملاق الإعلام والديبلوماسية والفكر، "صديق" الجميع لأن كتاباته كانت في متناول كل من يجيد القراءة، وكانت منطقية بالنسبة إلى الجماهير من الأكثر بساطة بينهم إلى الأكثر تطوّراً، وهذه إحدى سمات العبقري الحقيقي في أي ميدان كان.
عندما كنت أقرأ افتتاحياته، كنت دوماً أتخيّله وهو يكتبها بتركيز وعزم، والسيجارة لا تبارح فمه فيما يسكب من قلبه وروحه في بضعة أسطر ترسم مسار الأسبوع بكامله بالنسبة إلى كثر. ورغبته الشديدة في تحليل الأحداث بما يُنبئ بمستجدّات الأسبوع أو الشهر التالي أو حتى السنة المقبلة، هي ركيزة أخرى من ركائز عبقريّته. كان الناس يقرأون مقالاته ليستشفّوا اتّجاهاً أو مساراً، ورؤية معلّمٍ عن الاحتمالات التي تلوح في الأفق.
وبما أنني واحدة من الملايين الذين يعوّلون على تلك الرؤى الفذّة لتحليل الأحداث ووضع الأمور في نطاقها الصحيح، ساكون دائماً ممتنّة لليد التي كتبت وعلّمتني الكثير عن النزاهة والمناقبية في مهنة الصحافة، وكذلك عن مسؤولية الصحافي في الحفاظ على أعلى المعايير في بحثه عن الحقيقة، حتى لو كلّفه ذلك الانتقادات اللاذعة أو السجن أو حتى الموت.
سأشتاق كثيراً إلى تقبيل يده كما اعتدت أن أفعل على رغم اعتراضاته، كي أشكر معلّمي وأشكر تلك اليد التي كتبت بتصميم عظيم على جعل عالمنا مكاناً أفضل.
أتوجّه بأحرّ التعازي القلبية إلى العزيزة شاديا تويني، وأصلّي من أجلها كي تستمدّ القوّة والصبر في هذه المرحلة العصيبة. تعجز الكلمات عن وصف هذه المرأة العظيمة وإيفائها حقّها. لقد علّمتني على مر السنين – وأنا واثقة من أنها علّمت كثراً غيري – دروساً في التواضع والحب واللطف، وقبل كل شيء، الاحترام. إنها مثال للحب والكرامة والسخاء والإنسانية، فقد اجتمعت كل هذه الخصال في امرأة رائعة تشاطرت غسان معنا جميعاً، طلاباً ومعجبين وأصدقاء، بلطف شديد وبعيداً من كل أنانية.
كم ستكون جلساتنا حزينة من دون وجود غسان معنا في الجسد. الفكرة وحدها كافية لتُلهب قلوبنا مثل جمر حارق. لكنني أشعر، يا صديقتي العزيزة، أنك مستعدّة لتكوني صخرتنا كما كنت دائماً صخرة غسان وملهِمته. شكراً لك لأنك تقاسمت معنا عبقريّة غسان وأتحت لنا فرصة التعرّف إليه على مستوى أكثر شخصية.
أيها المعلّم العزيز، أعلم أنك الآن في مكان حيث لا ألم ولا معاناة، وتنظر إلينا بإيمان عميق وتعقد علينا آمالاً كبيرة. أعلم أنك تريدنا أن نسير على خطاك فنبحث عن النور في كل واحد منّا ونسعى وراء الحقيقة في كل شيء. أعلم أنك تريدنا أن نحمل شعلة الصحافة كما مارستها أنت بهدف إعلام الناس وتنويرهم وإحداث فارق.
أعاهدك، أنا تلميذتك المخلصة، أن أفعل ذلك حتى آخر رمق من حياتي.
في هذا الوداع الأخير، اسمحوا لي أن أقبّل اليد التي كتبت، والعقل الذي فكّر، والقلب الذي أحب، والضمير الذي لم يتعب قط من البحث عن الحقيقة، والروح التي تكبّدت مصاعب كثيرة في الحياة لكنها لم تعرف يوماً الاستسلام. فلترقد روحك بسلام وإلى الملتقى.