الإرسال مفقود. لمن يجده الإتصال بالمواطن اللبناني.
لكن ما هو موجود واقع مرير ملموس تعكسه مشاهد تترحم على زمن الإرسال الجميل.
إلى واحد منها، رجل أعمال لبناني يتسلق بملابسه الأنيقة جبلاً ثم ينحدر في واد، باحثاً عن مكان يلتقط فيه إرسال هاتفه النقال، فيتنقل معه من جلّ الى جلّ ومن شجرة الى زهرة. انه في البقاع، يجري اتصالا بمدير مكتبه في بيروت لحاجة ملحّة، يرن الهاتف ثم ينقطع كأن المجيب ردّ: ألو.. (ينتظر) ألو.. (يطول الإنتظار).. ألوووووو
يتأفّف. يغلق الخط ثم يعيد الكرة، ومن جديد يتكرر المشهد نفسه لكن ضمن سيناريو آخر: ألو مرحبا..
فيجيب المدير: أهلا بوسّ Boss، مش سـ…ك، الشغل م…؟
فقدر الـ boss إجابة مديره "مش سامعك، الشغل ماشي أو منيح..
أراد أن يكمل الحديث لكنّ الخطّ انقطع وسمع المواطن: توت توت توت
"التوت" كانت نتيجة انقطاع الخطّ.. لا أحد يعلم، حتى من يتنصت على داتا الإتصالات. ولم يكن المواطن بحاجة الى سماع "التوت" ليتذكر أنه يردد الكثير منها يوميا حين يجري اتصالاته. فالإتصال مقطوع بين الشعب اللبناني والوزارة الخدماتية، ويردّد "مندفع فواتير وما في خطوط!" يحاول أن يهدىء من فوران أعصابه، ويقرر أن ينزل الى بيروت بنفسه بعد محاولات عدة كان آخرها أن نظر الى هاتفه فوجد أن علامات الإرسال غير موجودة!
وإن كانت الإتصالات المحلية متقطعة، فكيف هي إذا حال الإتصالات الدولية؟! أحد المواطنين، وبحكم عمله، اضطر الى إجراء مكالمة مع مواطن آخر في فرنسا:
المواطن اللبناني (متحدثا بالفرنسية ومعرّفاً عن نفسه): ألو سيد جان، أريد أن أتحدث معك في ما يختص بالعمل المشترك.. ألو.. ألو.. (يقطع اللبناني الخط فورا محاولا أن يخفف من كلفة المخابرة الخارجية). لكن ما حاول أن يتحاشاه وقع وكانت صدمته كبيرة حين تلقى رسالة على هاتفه تشير الى قيمة المكالمة الخارجية التي أجراها!
الحاجة الى إجراء الإتصالات وحدها الرادع لضبط الأعصاب، حتى لا يشعر الطرف الآخر بأن الأول غاضب وأن عملا ما ليس بخير. لذا قررت "عروس جديدة" أن تبعد عنها شرّ الإتصالات، فكتبت لزوجها رسالة تقول فيها بأنها ستزور والدتها لذا ستتأخر عن العودة في المساء. هاتفها أكد لها، من خلال "الرسالة- التقرير" delivery report أن رسالتها وصلت الى زوجها وأن كل شيء سيتم على خير. في هذا الوقت كان الرجل ينتظر زوجته ويحاول الإتصال بها دون أن يفلح، فثار غضبه ودار بينهما نقاش حادّ انتهى بمغادرة الزوج عشّ الزوجية.
هكذا أيضا، يرافق التقطع "الإنترنت" السريع! فحين يشتاق الأهل لأبنائهم في المهجر يتصلون بهم عبر "الإنترنت". والمفاجأة "ليش هيك ضعفان يا ابني؟" فيجيب الإبن "أنا أحافظ على وزني دون نقصان أو زيادة". يعتقد المواطن اللبناني أن الإنترنت سيسهّل عليه التواصل مع محبيه في الخارج.. وليست الصورة وحدها مشوّهة إنما الصوت أيضا. ففضلا عن أنه بعيد وعميق، تتداخل الكلمات في بعضها وتبدو متقطعة وكأن الإبن الذي سافر بهدف متابعة تعليمه في مجال الطبّ، يتلّقن لغات جديدة على السمع واللفظ!
وإذا كانت قصص الأهل والإبن "أهلية بمحلية"، فقصص الأعمال بين لبنان والخارج تشكل إحراجا للطرف اللبناني. يتوجه رجل الأعمال اللبناني في رسائله الإلكترونية بمقدمة تتضمن اعتذارات بالجملة عن الإنقطاعات المتكررة في الإتصالات، مبررا ذلك بمستوى الإتصالات السيئ في لبنان. صحيح أنه ربما في ذلك يشوّه صورة وطنه، لكنّ ما حدث معه يضعه أمام واقعين، فهو إما أصمّ وإما لا يفهم اللغة الأجنبية! لذا يجهد بأن يكون صريحا وليعلم العالم كله بأن ليس ذنب المواطن ما يجري من كوارث "تهشّل" السياح وتجعل الإتصالات "نائية بنفسها" عن أي خدمة لتنتهي الإتصالات بتوقف الأعمال!
أهلا بكم في عالم "الجيل الثالث"، حيث فاتورة لبنان تُعد باهظة جداً على مستوى خدمات الهاتفين الثابت والخلوي والإنترنت.. وفي ذهن اللبناني أن كل ما هو ثمين ومكلف يكون أرقى ويقدم الخدمات الأفضل. لكن ما اكتشفه، مهما عملت الوزارة على تلميع صورتها، أن لبنان يعيش عصر الـ "توكي ووكي": حين يختفي صوت المتحدث، يمشي باعتقاده أن الإرسال قد يكون أفضل في مكان آخر، يرفع يده ثم ينزلها، يرفع صوته، يصرخ "ردّووووو..".. يطلق العنان للسانه.
في لبنان، يسأل اللبنانيون عن شركة الإتصالات الثالثة وهي "الشركة الوطنية للإتصالات" التي قدمت الصين، من أجل إنشائها، لوزارة الإتصالات في عهد الوزير شربل نحاس مبلغا مرقوما. في لبنان، يعيش اللبنانيون جيل الإتصالات ما قبل الأول، "صوت من الكرم ومن التفاح" على حدّ قول السيدة فيروز في أغنيتها "ألو.. كحلون.. ستّي.." والمصيبة؟ الوزارة، بجهود وزيرها ورئيس كتلته، تتطلع الى مستوى أهم من الجيل الثالث.. تحضروا لجيل رابع من "الإصلاح والتغيير"!