بعد سنة وسبعة أشهر بالتمام والكمال. وبعد ست جلسات من الحوار، إتضح أمس أن جلسة أمس في قصر بعبدا لم تعط ما يفهم منه بصريح العبارة إنه حوار بين ندين وطنيين، بقدر ما أظهر إنعكاسا لسجالات لن توصل الى نتيجة إيجابية، بدليل دخول المعنيين الجلسة بأفكار مسبقة وبقرارات تمنعهم من أن يفهموا على بعضهم، بحسب ما كان يتوقعه الداعي إلى الحوار رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الذي يصر على أن يجرب حظه ربما لأنه لا يرى مخرجاً للأزمة بمعزل عن التفاهم الداخلي!
في استهلالية الرئيس سليمان تأكيد على أهمية الإنتقال بالحوار الى الشأن العملي، بمافي ذلك الإبتعاد عن كل ما من شأنه إظهار الإنعكاسات السياسية في قالبها السلبي، فيما إن المعروف عن قوى 14 آذار قد ورد صراحة في المذكرة الشمولية التي رفعت إلى رئيس الجمهورية، بينما بقي رد فعل قوى 8 آذار وكأنه رجع صدى لما ليس بوسع أحد إعتباره خطوة في إتجاه الحوار؟!
وتجدر الإشارة هنا الى أن المهتمين في الخارج بنجاح الحوار ليسوا أقل من الساعين الى إفشاله ليبقى الفرق بين من يريد للحوار أن يتخطى عقباته التقليدية المتمثلة بالسلاح غير الشرعي وبين مقولة الشعب والجيش والمقاومة، فيما يصعب على من يعنيه الأمر أن يعرف من أين يأتي الأمر طالما أن المأمور غير معروف باستثناء ما يفهمه حزب الله!
رب قائل إن الرئيس سليمان يراهن على المجهول، لمجرد إنطلاقه في الحوار من حكومة لا طاقة لها على التحكم بقرارها، فيما يتصرف بعضهم على أساس أن الحوار يطيل في عمر الحكومة من دون أن يقدم بدائل عن التفسخ السياسي السائد. وإلاّ ماذا يمنع الإنطلاق بحوار جدي ومقنع مع بداية مختلفة تنطلق من تشكيل حكومة الحد الأدنى من التفاهم. وهذا بدوره في صلب قدرة الرئيس سليمان على التصرف. وهيهات لو فعل ذلك لكان قد وفر على نفسه وعلى البلاد لعب ورقة عامل الوقت، لاسيما أن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي يفهم بها كل شيء باستثناء كونها حكومة أمر واقع، خصوصاً إن ميقاتي غير قادر على التصرف بما لديه من قرارات، لأن بعضهم يتصرف على أساس إنه أقوى من رئيس الحكومة!
عندما يزعم رئيس التيار الوطني العماد المتقاعد ميشال عون إن قراره في يده، من الضروري سؤاله عن جدوى مشاركته في الحكومة تحت شعار التغيير والإصلاح وهو لم يغير شيئاً ولم يصلح شيئاً بقدر ما أسهم في تعقيد كل الأمور التي شارك في البحث عن حلول لها. والذين يفهمون حقيقة واقع الأمر يتساءلون عن جدوى استمرار الحكومة وهي غير قادرة ولاهي مؤهلة لأن تقدم شيئاً إيجابياً واحداً، فيما يعرف القاصي والداني إنه لولا الدعم المطلق الذي يوفره حزب الله الحليف وسوريا الراعية المباشرة للعماد ولقطيعه السياسي، لما كان بقي لحظة في موقعه النافر؟!
لقد سبق لعون ان طرح تطورا لحل عقدة سلاح حزب الله عبر ضم عناصر المقاومة الى الجيش كفصيل مستقل بما في ذلك إعتبار شهدائه شهداء للواجب، لكن الحزب أبلغ عون آنذاك ان من الأفضل له ولغيره الإبتعاد عن أي حل لا يترك حرية القرار بيد حزب الله، لأن غاياته تختلف جذرياً عن الغاية من سلاح الدولة طالما أن التغطية جاءته مع سوريا سياسياً ومن إيران ماليا وعسكرياً. وهذا بمجمله يتعارض مع وجهة نظر القوى الإستقلالية عموماً التي ترى إستحالة أمام الأخذ بأية وجهة نظر لا تضع ضوابط أمام السلاح غير الشرعي مهما كان نوعه ومهما إختلف أمر من يوجه الأوامر الى الحزب!
أمام هذا المشهد الواضح المعالم والتضارب شكلاً ومضموناً لم يتخل رئيس الجمهورية عن مساعيه لرأب الصدع الداخلي، حتى وإن كان يعرف ان غيره منساق وراء أجندات خارجية ويدعي أن غيره يعمل بموجبها؟!
وأمام المشهد الآخر، فإن الإتفاق على موعد جديد للحوار لا يعني أن جلسة أمس حققت المرجو منها، باستثناء ما تردد عن «تهدئة الخواطر» وهذه العبارة السياسية تعني كل شيء ومن غير أن تعني شيئاً، لاسيما أن البيان الختامي إقتصر على عموميات اللالون واللاطعم واللارائحة، بحسب ما كان متوقعاً مع علم من لم يعلم بعد أن الأمور العالقة تحتاج الى أكثر بكثير من تهدئة الخواطر غير المهيأة لأن تهدأ تلقائياً بعد طول تنافر وشد حبال؟!
شكراً لمن شم رائحة الفشل سلفاً؟!