
هذه المرّة.. اختار "حزب الله" طاولة الحوار نفسها ليحوّلها إلى "منصّة" لإطلاق تهديداته ضدّ اللبنانيين، وآخرها التلويح بـ"حرب أهلية" ستبدو معها حرب العام 1975 انها كانت مجرّد "بيك نيك" (نزهة). فيما بدا أنّ كلمة السر التي جمعت ممثلي قوى 8 آذار على الطاولة هي تحميل قوى 14 آذار، وبخاصة "تيار المستقبل"، مسؤولية الفلتان الأمني في البلاد واتهامه بتهريب السلاح إلى سوريا وبالسعي إلى إنشاء منطقة عازلة والتهجّم على الجيش ومنعه من الانتشار في الشمال.
جاء ذلك خلال جلسة الحوار التي إلتأمت أمس في قصر بعبدا برعاية رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والتي أظهرت مرّة جديدة عدم وجود نيّة صادقة لدى "حزب الله" لمناقشة ملف سلاحه، رغم موافقة الجميع، في ختام الجلسة، على مناقشة هذا الملف وحيداً في الجلسة المقبلة في الخامس والعشرين من حزيران الجاري، والتي خرجت بـ"إعلان بعبدا" الذي يؤكد التمسّك بالطائف وبتنفيذ مقرّرات جلسات الحوار السابقة.
ماذا دار خلال جلسة هيئة الحوار؟
مصادر متعدّدة شاركت في الجلسة كشفت لـ"المستقبل" أنها افتتحت بمداخلة لرئيس الجمهورية تحدّث فيها عن التحوّلات الجارية في المنطقة وأزماتها، بدءاً من القضية الفلسطينية وصولاً إلى الربيع العربي وما أحدثه من تحوّلات "عمدت الحكومة إلى النأي بالنفس عنها، منعاً لانعكاسها على لبنان".
وتطرّق سليمان إلى مخاطر الوضع الداخلي وضرورة توحّد اللبنانيين لمنع وصول الأزمات إليه، متحدثاً بقلق عن الوضع الاقتصادي في لبنان وعزوف المصطافين العرب والسيّاح عن الحضور إليه. ووزّع نسخ مسودة البيان الختامي على المجتمعين لمناقشته.
على الأثر، تحدث رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، مشدّداً على أهمية الحوار بوصفه الوسيلة لحل مشاكل البلد. وقال إنّ حكومته "مستعدة لتنفيذ كل القرارات التي تصدر عن هيئة الحوار".
فرنجية
ثم تحدّث النائب سليمان فرنجية، مبدياً قلقه من الوضع في طرابلس والشمال والسلاح المتفشّي هناك، وطالباً بدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية أيضاً "لئلا يُفسّر البعض انّنا مع الجيش وضدّ قوى الأمن الداخلي".
وتطرّق إلى موضوع القضاء والإعلام المتفلّت. وقال: "إنّ مَن يسلّح ويموّل المسلحين في الشمال لا يملك رقابة عليهم وينقلبون عليه".
على الأثر تحدث النائب أسعد حردان عمّا سمّاه "انشقاقاً عمودياً في البلد" ومخاطره على الوضع الاقتصادي، متوقفاً أمام الوضع الأمني وضرورة دعم الجيش، وهو الموقف نفسه الذي عبّر عنه النائب طلال ارسلان.
ثمّ تحدّث النائب وليد جنبلاط الذي قال إنّه في المطلق "ضدّ السلاح الذي يُستخدَم في الداخل". أضاف: "حتى 7 أيار، قد تقولون اننا أخطأنا، قبل أو بعد هذا التاريخ، أنا لا أتهرّب من المسؤولية، لكن استخدام السلاح في الداخل خطأ كبير ونكون سخيفين إذا اعتبرنا أنّ هذا الموضوع يُعالَج هنا".
ثمّ استطرد ليتحدّث عن مرحلة إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري وقال: "تآمرنا، أنا والرئيس نجيب ميقاتي وبشّار الأسد وإيران، من وراء ظهر القيادة القطرية، وأسقطنا الحكومة ولست نادماً لأنّه لو لم نأتِ بهذه الحكومة ماذا كان حصل؟ لذلك أنا لستُ نادماً".
هنا طلب الوزير ميشال فرعون الكلام وقال: "بالرغم من ان واجبنا تلبية دعوة موجهة من رئيس توافقي، واضح انه ليس هناك حماس للحوار. وثمة شخصيات فضلت عدم المشاركة والسبب ان الجولة الاولى للحوار انتهت بـ"7 أيار" وبالتراجع عن تنفيذ القرارات المتخذة، أما الجولة الثانية، أي الدوحة، فانتهت بالانقلاب على كل شيء، بما في ذلك تواقيع البعض، لذلك نحن حذرون ولا نريد بناء آمال والمشكلة ليست عندنا".
أضاف: "البند المتبقي في الحوار هو الاستراتيجية الدفاعية ولا يجوز البحث في أي بند آخر، لأن هذه الاستراتيجية بقيت حبراً على ورق، رغم انها جزء من فقرة شعار "الجيش والشعب والمقاومة" في البيان الوزاري، كما ان شعار الشراكة انتهى بانقلاب وبتحريم الحديث عن السلاح، ما يعني ان المقاومة صارت سلطة وفي هذه الحال يفترض تغيير مقدمة الدستور التي تقول بـ"لا شرعية لأي سلطة تناقض العيش المشترك"، أو تحديد أنظمة للمقاومة".
وردّ على المطالبين بتغطية الجيش سياسياً بالقول: "فريق 8 آذار لم يغط الجيش في معارك نهر البارد، وطريقة تشكيل هذه الحكومة لم تأخذ في الاعتبار أي غطاء وإنما كانت جزءاً من الفتنة. لذلك نحن ندعو الى استقالة هذه الحكومة وهي حكومة صفقات. ولا يجوز ان يبقى لبنان منذ 30 عاماً مسرح رسائل وأرض الخلافات بالوكالة، الآن يشهد لبنان مشكلات بالاصالة في كل مكان، فمَن يريد أن يشارك في معركة النظام في سوريا ليفعل ويتركنا، ومَن يريد المشاركة في احداث البحرين أو العراق أو غيرهما ليختر معركته وليحيّد لبنان ولو لمرة واحدة على الأقل".
وتحدّث النائب محمد رعد الذي عرض "مضبطة اتهام" ضدّ قوى 14 آذار وتحديداً "تيار المستقبل" الذي سمّاه بالاسم متّهماً إياه "بإرسال السلاح إلى الثوار السوريين وباستقدام بواخر السلاح وبالسعي إلى إقامة منطقة عازلة في الشمال وبالتحريض المذهبي وإثارة أجواء التشنّج في البلاد".
أضاف رعد: "إنّ تيّار المستقبل يهاجم الحكومة لأن شهيّته للسلطة وعدم استيعابه لفكرة خروجه منها تدفعانه إلى ذلك وإلى استجرار الأزمة السورية إلى لبنان".
وإذ أكد أنّ "الحكومة باقية" قال: "إذا استمر الوضع على هذا المنوال فالبلد مُقبل على أحداث أمنية وحرب أهلية تكون حرب العام 1975 مجرّد "بك نك" بالنسبة إليها".
وأشار إلى أنّه "لو لم يكن لـ"حزب الله" الموقف المناسب في عدوان 2006 لكانت القوّات الدولية أتت تحت الفصل السابع"، مضيفاً "إنّ المقاومة هي التي فرضت القرار 1701".
ثم تحدّث النائب جان اوغاسابيان فقال: "إذا كان الوضع خطيراً أيكون الحل بإبعاد سعد الحريري وبتهميش فريق كبير من اللبنانيين وتخوينه؟ أهكذا تُواجَه الأزمات التي تتحدّثون عنها؟ تشكيل هذه الحكومة وممارساتها هي التي توتّر الوضع وقد تقودنا إلى حرب أهلية، أهذه الحكومة قادرة على تفعيل المؤسسات؟".
هنا قاطعه الرئيس سليمان بالقول: "ليس هناك بلد يعيش بلا مؤسسات".
ردّ اوغاسابيان: "نحن لا نقول لا نريد مؤسسات فخامة الرئيس، لكن هذه الحكومة عاجزة عن إحياء المؤسسات لأنها تهمّش نصف اللبنانيين".
وألقى النائب ميشال عون كلمة مقتضبة تساءل فيها: "كيف كان لنا أن نواجه أي عدوان لو لم يكن هناك سلاح المقاومة؟".
أضاف: "ان الوضع الأمني متفلت ويجب ضبطه ودعم الجيش اللبناني".
وتحدث الرئيس فؤاد السنيورة فشكر رئيس الجمهورية على مبادرته، معتبراً ان "الحوار هو الوسيلة الوحيدة المتاحة لمعالجة القضايا الخلافية في مجتمع ديموقراطي وهي ضرورية أكثر في لبنان البلد المتعدّد والمتنوّع".
أضاف: "لكن إذا كانت هناك أهمية للحوار كوسيلة فهذا الأمر يفترض أن يستطيع كل طرف من الأطراف أن يبدي وجهة نظره بحرية وأن يكون الأمر انطلاقاً من احترام الرأي الآخر وليس من خلال التشكيك أو التخوين كما قرأنا في الصحف حيث اعتبر أحدهم أن مجرد طرح موضوع سلاح المقاومة فهذا يعني انه خضوع لأجندة خارجية وأنّ مَن يطالب بمعالجة سلاح المقاومة عليه أن يبني الدولة التي تحوز شرف تسلم سلاح المقاومة(..)".
وقال السنيورة: "لا أدري كيف يمكن أن نتحاور وينجح الحوار وهناك مَن يقول هذا الكلام قبل أن ينطلق الحوار بساعات ويتّهم الآخرين ويخونهم؟".
اضاف: "أود أن أشير أيضاً إلى أن للحوار صدقية وهذه الصدقية تكون من خلال تنفيذ ما اتفقنا عليه وإذا ما عدنا إلى ما تمّ الاتفاق عليه سابقاً أي النقاط الثلاث، أي الالتزام بالمحكمة ونزع السلاح الفلسطيني ومعالجته وتحديد الحدود مع سوريا.. نرى أنه لم يتم الالتزام بهذه النقاط بل كل ما يعمل هو لوضع العراقيل أمام تنفيذ ما اتفق عليه وضرب صدقية الحوار ولم يجر على الاطلاق أي تقدم".
وقال: "بقي هناك موضوع وحيد على طاولة الحوار للحديث به، وهو ليس الاستراتيجية الدفاعية، بل سلاح المقاومة، هذا السلاح الذي قام بتفريخ أسلحة أخرى حوله وبدأ يظهر سلاح آخر بسببه، وهذا الأمر لم يعد بالإمكان معالجته والتعايش معه إذا لم تتم مقاربة هذه المشكلة لوضع حل لها بشكل صريح وجدّي. ونحن نجد أن هذا السلاح بات موجوداً في جبل محسن وذات الفريق يستخدم سلاحه بين جبل محسن وباب التبانة لإبقاء التوتر قائماً ولتحريك الجراح وتحريك التوترات والاشتباكات وإشغال الأطراف وفرض المعادلات، هذا السلاح الذي استُخدم في السابع من أيار في بيروت ثم بعد اتفاق الدوحة عبر حركة الانقلاب من خلال يوم القمصان السود، هذا السلاح الذي نفذ انقلاباً أتى بالحكومة الراهنة التي أثبتت فشلا بكل الملفات التي تعاطت فيها والقضايا التي تصدّت لها. وهي تقول باعتماد سياسة النأي بالنفس التي لا يمكن أن تكون صالحة لكل المناسبات".
وتابع: "أنا لو كنت رئيساً للحكومة لاعتمدت سياسة النأي بالنفس لكن لا يجوز النأي بالنفس أمام اتهامات توجّه للبنان بإيواء الإرهاب، ويتم السكوت عنها. ولا يجوز النأي بالنفس أمام قتل المواطنين واختراق الحدود والسيادة.. هذه أمور لا يمكن القول ان سياستنا هي النأي بالنفس ولا يمكن استخدامها كمَن يستخدم الملح بالطعام مع كل حالة. والحل يكون بتغيير هذه الحكومة التي أثبتت فشلها من خلال ممارسات الوزراء الأعضاء فيها حيث أوقعوا البلاد في مخاطر متعدّدة بسبب قراراتهم وتصرفاتهم".
وردّ السنيورة اتهام رعد لـ"تيار المستقبل" بالقول: "ان الاتهامات التي تُوجَّه الى تيار "المستقبل" بالتسلح وتهريب السلاح إلى سوريا غير صحيحة على الاطلاق ونحن ضدّ أي سلاح خارج إطار الشرعية ونحن ضدّ تهريب الاسلحة إلى سوريا وضدّ تهريب الاسلحة إلى لبنان أيضاً، وضدّ تهريب المسلحين لكن موقفنا السياسي الداعم لمطالب الشعب السوري لن نتراجع عنه وهو معلن ومعروف. وتيار "المستقبل" لا يعمل لمنطقة عازلة في الشمال، والكل يعرف موقفنا الصريح الذي أعلن لحظة استشهاد الشيخين أحمد عبدالواحد وحسن مرعب، فنحن وقفنا مع المؤسسة العسكرية ودعونا للالتزام بالهدوء ودماء الشيخين كانت ما زالت على مقعد السيارة، وقد ذهبت الى البيرة وناديت بالوقوف مع المؤسسة العسكرية وحمايتها فليس من الجائز تشويه موقفنا".
ورد السنيورة ايضاً على كلام رعد عن القرار 1701 والقوات المتعدّدة الجنسيات بالقول: "الشيء الجيد ان هناك وثائق "ويكيليكس" التي كشفت كل هذه الامور وظهر مَن الذي أحبط محاولات نشر قوات متعددة تحت الفصل السابع وان الحكومة ورئيسها كانا ضدّ الأمر ومَن ساهم في إقرار القرار 1701".
كما ردّ السنيورة على كلمة عون بالقول: "ان هذا الأمر حله بسيط وهو بوضع السلاح تحت إمرة الدولة".
وتوجّه نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري إلى سليمان بالقول: "استمعت بدقّة إلى ما قاله دولة الرئيس ميقاتي ومعالي الوزراء فرنجية وحردان وارسلان، وتبيّن لي أنّ في كلامهم إدانة لحكومتهم، فالرئيس ميقاتي قال إنّه مستعد لتنفيذ أي قرار تتخذه هيئة الحوار، ما يعني أنّه يطلب أن نكون عبارة عن حكومة إلى جانب حكومته، نحن نتخذ القرار وحكومته تنفذ. هل اتخذ ميقاتي قراراً في حكومته بتكليف الجيش وقوى الأمن الداخلي بإزالة كل البؤر الأمنية في طرابلس وغيرها وظهر أي اعتراض من جانبنا؟ إن ما أعلنه ميقاتي والآخرون ليس من مهمات هيئة الحوار، هذه من مهام الحكومة، أنا لا اؤيّد هذه الحكومة، لكن لماذا يطلبون منّا تغطية تقصيرها، نحن مسيحيو 14 آذار يا فخامة الرئيس تحفّظنا على البيانين الوزاريين الصادرين عن حكومَتي الرئيسين فؤاد السنيورة وسعد الحريري لما ورد فيهما عن معادلة "الجيش والشعب المقاومة". و"تيار المستقبل" أيّد موقفنا بعد 7 أيار واعتدل على هذه المعادلة، نحن يا فخامة الرئيس لسنا مع الاستراتيجية الدفاعية، نحن ضدّ سلاح "حزب الله"، لأنّه لم يعد له مبرّر منذ العام 2000 ومنذ العام 2005 أكثر وأكثر، ولم أنتظر أي جديد من كلام الحاج محمد رعد لأنني سمعت كلامه أمس وأجاب عن تساؤلاتي وكنت آمل لو قدم لنا أفكاراً جديدة حول سلاح حزبه".
وتحدّث الرئيس أمين الجميّل الذي شدّد على موضوع السلاح، مؤكداً وجوب "أن يُعطى الأولوية في هذه الجلسة"، منتقداً الحكومة، داعياً إلى رحيلها. وختم بالقول: "أتينا إلى هنا لنسمع ماذا عند "حزب الله" حول السلاح، لكن النائب رعد لم يتطرّق إلى هذا الموضوع وهو أساس المشكلة".
ثمّ طلب جنبلاط الكلام ليردّ على رعد حول مسألة القوات الدولية عام 2006 وقال: "أنا كنتُ حاضراً في لقاء السفارة الأميركية مع كوندوليزا رايس ولم يطلب الرئيس السنيورة ذلك وهو كان له الفضل الأكبر في القرار 1701".
هنا تدخّل الرئيس سليمان ليقول: "من دون أدنى شك انّ الرئيس السنيورة والجيش وكل القيادات لعبوا دوراً كبيراً في إصدار القرار 1701".
وبعد تكرار السنيورة الردّ على رعد حول مسألة القوات الدولية تطرّق إلى موضوع التداخل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية معتبراً ان الأولى تتدخل في صلاحيات الثانية.
وردّ الرئيس نبيه برّي في مداخلة يتيمة، قائلاً: "أنا لا أتدخّل في شؤون السلطة التنفيذية، لكن في ملف النفط لديّ قانون في مجلس النواب وهذا ملف مهم جداً، لهذا السبب أنسق مع رئيس الحكومة وتواصلنا مع قبرص لهذه الغاية".
واستطرد برّي قائلاً: "لا يزايدن عليّ أحد في موضوع المقاومة، عندما نتحدث لاحقاً عن هذا الموضوع سيكون لي موقفي". وختم بالإشادة بالراحل غسان تويني وباهتمامه الدائم بالحوار.