في كل مرة يقترب لبنان من الاستحقاق الانتخابي النيابي، يكثر النقاش حول قانون الانتخابات. وبما ان الغوص في البحث من أجل الوصول إلى قانون انتخابي عصري يؤمن صحة تمثيل الناخبين مع مراعاة مصالح القوى السياسية يشكل صعوبة كبيرة، سنبحث في صيغة تؤمن صحة التمثيل وعدالته بغض النظر عن مصالح القوى السياسية.
لا بد من التشديد على ضرورة أن يحترم قانون الانتخابات الصيغة التأسيسية للبنان، بالإضافة إلى عدد من المبادئ التي ترعى استمراره كدولة تعددية:
– المناصفة بين المسيحيين والمسلمين.
– صحة تمثيل المكونات اللبنانية (الطوائف ومذاهبها).
– احترام الدستور لجهة اعتماد المحافظة دائرة انتخابية.
إن الاقتراح الذي نتقدم به يحافظ على التوازن الطائفي ويعطي في الوقت عينه فرصة للقوى العلمانية من أجل المشاركة بفاعلية دون الخضوع للقوى الطائفية. كما يؤمن هذا المقترح صحة تمثيل المذاهب والطوائف، فلا تخضع المذاهب الأقلوية في دائرة معينة للأكثرية من المذاهب الأخرى. كما يحقق العدالة في تمثيل القوى السياسية وفي توزيع المقاعد على المرشحين.
أما بالنسبة للصيغة التي نقترحها فهي على أساس دورتين انتخابيتين مع اعتماد المحافظة دائرة انتخابية في كلتا الدورتين:
الدورة التأهيلية (الدورة الأولى):
– تجري الدورة التأهيلية داخل كل مذهب وداخل مكون العلمانيين.
– يتم اعتماد النظام الأكثري في الدورة التأهيلية.
الدورة الانتخابية ( الدورة الثانية):
– يتنافس في الدورة الانتخابية المؤهلون من الدورة الأولى.
– يجري اعتماد النظام النسبي في هذه الدورة، بلوائح مفتوحة مع اعتماد الصوت التفضيلي.
الهدف من هذا المشروع أن يقوم كل مذهب بتحديد الأشخاص الذين لهم صفة تمثيلية داخل هذا المذهب. وذلك يعني أن كل مذهب يختار أربعة مرشحين لكل مقعد من المقاعد المخصصة له، حيث أن تشكيل اللوائح في المرحلة الثانية من الانتخابات يتم عبر تشكيل ائتلافات بين المؤهلين من الدورة الأولى حصرا.
إن هذه الآلية تضمن صحة تمثيل الطوائف والمذاهب، حيث أن القوى السياسية والطائفية التي تتمتع بغالبية كبرى في دائرة معينة تضطر إلى التحالف مع أحد المؤهلين من الدورة الأولى من المذاهب الأقلوية، ولا يعود لها حرية اختيار المرشحين من الطوائف الأقلوية. كذلك، يبقى الخيار النهائي عبر هذه الآلية لكل الناخبين من الطوائف المختلفة لتحديد أعضاء مجلس النواب، حيث يشترك الجميع خلال الدورة الثانية في انتخاب النواب، مع العلم أن أيأ من المرشحين عندها سيكون له صفة تمثيلية حدد حجمها ناخبو المذهب الذي ينتمي إليه في الدورة التأهيلية.
-1 الدورة التأهيلية (الدورة الأولى)
– تقوم الدورة التأهيلية على إجراء انتخابات داخل كل مذهب، وداخل مكون العلمانيين، من أجل تأهيل عدد من المرشحين لخوض الدورة الثانية.
– يتم العمل من أجل تأهيل أربعة مرشحين لكل مقعد، بمعنى أنه في حال وجود ست مقاعد للسنة في بيروت، يجري تأهيل 24 مرشحا سنيا لخوض الدورة الثانية.
– تجري الدورة التأهيلية في كل محافظة، وداخل كل مذهب، حيث يقوم كل ناخب باختيار عدد من المرشحين يساوي عدد المقاعد المخصصة لهذا المذهب. بمعنى أن يختار كل ناخب سني في بيروت ستة مرشحين لتأهيلهم إلى الدورة الثانية.
– يتم احتساب الأصوات على أساس النظام الأكثري، بمعنى أن المرشحين الذين يحصلون على أعلى نسبة من الأصوات يتأهلون إلى الدورة الثانية. ففي محافظة بيروت، يتأهل عن السنة إلى الدورة الثانية، أول 24 عشرين مرشحا سنيا شرط حصولهم على النسبة المؤهلة.
– يتأهل إلى الدورة الثانية من حصل في الحد الأدنى على النسبة المؤهلة للدورة الثانية. وتحسب النسبة المؤهلة من خلال قسمة عدد الأصوات المدلى بها على مجموع المرشحين الذين يفترض تأهيلهم. مثلا، في حالة المرشح الدرزي في بيروت: هناك مقعد واحد للدروز، ما يعني أنه يجب تأهيل أربعة مرشحين. وفي حال افترضنا مشاركة 6000 ناخب درزي في الدورة التأهيلية، تكون عندها النسبة المؤهلة للدورة الثانية 1500. إذا لا يتأهل إلى الدورة الثانية إلا من حصل على 1500 صوت أو أكثر. وفي حال عدم وجود سوى مرشح درزي واحد قد حصل على هذه النسبة أو أكثر، يكون عندها فائزا بالتزكية بمقعد في مجلس النواب من دون خوض الدورة الثانية.
-2 الدورة الانتخابية (الدورة الثانية)
تجري الانتخابات في الدورة الثانية على أساس النظام النسبي، وذلك على أساس لوائح مفتوحة مع الاعتماد على الصوت التفضيلي.
– يشترك كل الناخبين من كل المذاهب والطوائف في التصويت للوائح على أساس المحافظات كدوائر انتخابية.
– اللوائح المفتوحة هي بعكس اللوائح المغلقة. وذلك يعني أنه لا يكون هناك ترتيب ملزِم للناخبين عند اختيار أي من اللوائح وهو ترتيب عشوائي.
– نقصد بالصوت التفضيلي، إعطاء خيار للناخب بتفضيل مرشح واحد من كل لائحة. بمعنى أن الناخب يختار اللائحة (أ) ويختار المرشح (م) من ضمنها. أهمية الصوت التفضيلي أنه يؤمن ترتيب المرشحين داخل كل لائحة بحسب نسبة الأصوات التفضيلية التي حصلوا عليها.
– يجري احتساب المقاعد داخل كل لائحة بحسب ترتيب الأصوات التفضيلية. بمعنى أن من يحصل على أكثر الأصوات التفضيلية هو أول من يعتبر منتخبا من ضمن اللائحة، ويتم توزيع المقاعد المتبقية على أساس القاعدة نفسها.
– يجري توزيع المقاعد على اللوائح بحسب النسب التي حصلت عليها، وبالترتيب نفسه. ونقصد بذلك أنه يتم توزيع المقاعد على اللائحة التي حلت في المرتبة الأولى حتى استنفاد نسبة المقاعد التي حصلت عليها، ثم يجري الانتقال إلى اللائحة التي حلت في المرتبة الثانية، وهكذا دواليك.
– يجري مراعاة التوزيع الطائفي من خلال الاعتماد على الصوت التفضيلي. والمقصود بذلك أنه يتم توزيع المقاعد على اللائحة التي حلت في المرتبة الأولى بناء على نسبة الأصوات التفضيلية التي حصل عليها المرشحون بغض النظر عن انتمائهم الطائفي، إلا في حال استنفاد المقاعد المخصصة لمذهب معين فيجري الانتقال إلى من يليه بالترتيب بحسب الأصوات التفضيلية من مذهب آخر، على أن يكون هذا المقعد لا يزال شاغرا. أما بالنسبة للائحة التي حلت في المرتبة الثانية، فيجري الاعتماد على الآلية نفسها، بمعنى أنه في حال استنفاد المقاعد المخصصة لمذهب معين عند توزيع المقاعد على اللائحة الأولى، يجري الانتقال إلى مقعد من مذهب آخر لا يزال متوفرا مع الحفاظ دائما على احترام ترتيب الصوت التفضيلي. وتتم العملية نفسها بالنسبة للوائح المتبقية.
– يجوز الترشح الفردي، على أن يكون المرشح مؤهلا من الدورة الأولى. كما أنه يتم التعاطي مع المرشح الفردي على أنه لائحة ويخضع للقاعدة نفسها
بالنسبة لتوزيع المقاعد على اللوائح. في حال فوز مرشح فردي بمقعد، وقد استنفدت المقاعد المخصصة لمذهبه لا يعتبر المرشح منتخبا.
-3 سهولة عملية للناخب
إن الاعتماد على الآلية المقترحة سيكون في غاية السهولة بالنسبة للناخبين:
– في الدورة الأولى يتوجه كل ناخب من مذهب معين إلى المركز الانتخابي لاختيار مرشح عن كل مقعد مخصص لمذهبه في الدائرة الانتخابية.
– في الدورة الثانية يتوجه الناخب إلى المركز الانتخابي ليضع في صندوق الاقتراع لائحة معدة سلفا بأسماء وصور المرشحين، على أن يضع علامة X في الخانة مقابل المرشح الذي يفضله.
-4 مكون العلمانيين
يجري استحداث مكون سياسي تحت إسم "مكون العلمانيين"، أي الذين يريدون خوض الانتخابات بعيدا عن انتمائهم الطائفي. ويتم التعامل مع هذا المكون على أساس أنه مذهب مستقل. أي يترشح من يريد عن هذا المكون ويتم تأهيل المرشحين بالطريقة نفسها المعتمدة داخل المذاهب الطائفية.
يمكن هذا المكون أن يؤهل عددا من المرشحين يساوي عدد المقاعد في الدائرة التي يخوض الانتخابات على أساسها، يخوض هؤلاء المؤهلون الدورة الثانية بلوائح مستقلة ولا يمكنهم أن يشكلوا لوائح مشتركة مع مرشحين مؤهلين داخل مذاهبهم. يتم توزيع المقاعد على الفائزين من مكون العلمانيين عبر احترام التوزيع الطائفي.
يقوم كل مرشح على أساس علماني بتسجيل نفسه على أنه علماني وكذلك الناخبون، حيث يقترع الناخبون العلمانيون للمرشحين العلمانيين حصرا.
إذا يكون الترشح على أساس علماني، وكذلك الانتخاب. إنما توزيع المقاعد على المكون العلماني يتم على أساس التوزيع الطائفي المعتمد بالنسبة للوائح الأخرى.
يبقى السؤال: كيف سيكون تأثير هذه الآلية على حجم القوى السياسية؟ مهما كانت النتيجة السياسية، فهي ستكون صحيحة لجهة تمثيل الطوائف والمذاهب وعادلة في توزيع المقاعد. وهذا ما يفتقده لبنان.