هل لملمت طاولة الحوار الوضع اللبناني بعد إنفلاشه السياسي والأمني وإنعكاس الأزمة السورية عليه؟ سؤال تداوله الكثيرون في المجتمع السياسي اللبناني، وطُرحت حوله تساؤلات عديدة عن النتائج التي يمكن أن يوصل إليها هذا الحوار ولم تتمكّن الجلسات السابقة له من الوصول إليها؟
الآمال المعقودة على طاولة الحوار والنتائج التي ستخلص إليها متواضعة، فقلّة قليلة تراهن على نتائج إيجابية، إلاّ أن هؤلاء أنفسهم يعبّرون عن خشيتهم من نتائج عدم الحوار والتباعد القائم بين اللبنانيين والذي ولّد في وقت قصير جداً وضعاً أمنياً غير مسبوق وفلتاناً لم يشهد له لبنان مثيلاً حتى في عزّ الحرب الأهلية، فهل يقطع اللبنانيون من خلال الحوار الجديد – القديم الطريق على الفتنة التي تضرب في جبناته وتُبعد عنه الكأس المرّة.
الأيام المقبلة ستثبت جدوى هذا الحوار وفعاليته وإنعكاسه على الواقع السياسي والحكومي وعلى الأطراف السياسية التي شاركت فيه واختلفت على مائدته وتلك التي نأت بنفسها عنه في انتظار معطيات سياسية تثبت مدى أهميته وفعاليته في الحياة السياسية اللبنانية.
وجهات نظر كثيرة تناقلتها الأوساط السياسية اللبنانية حول الحوار، فالبعض يعتبر أن هناك تسوية إقليمية – دولية يجري العمل عليها لترتيب وضع المنطقة، ولذلك لا بد من طاولة حوار لتحديد معالمها والاتفاق على طريقة التعاطي معها ليتمكّن لبنان من مواجهة ما يحضّر وهو متماسك وهذا رأي يتوافق عليه طرفا 8 و14 آذار والذي يحاول كل واحد منهم الحصول على ما يمكن من المكتسبات راهناً ليواجه بقوّة لاحقاً.
أما وجهة النظر الأخرى، فتقوم على تخوّف من استدراج الأزمة السورية إلى لبنان بما تحمله من مخاطر ستهدد العالم العربي برمّته وليس لبنان وحده فقط ولذلك لا بد من حوار يُريح الساحة الداخلية فكان التوافق على منح فريقي الصراع السياسي مساحة مشتركة من المواقف التي ترضيهما في انتظار الجولة الجديدة من الحوار التي قد يُطرح على بساطها القضايا الخلافية وفي طليعتها سلاح «حزب الله»،
لا شك أن انعقاد طاولة الحوار رفع منسوب التهدئة السياسية في البلاد وترك انطباعاً إيجابياً بين الناس في انتظار صياغة الآلية اللازمة لتطبيق إعلان بعبدا.
فكيف يقرأ الحزب التقدمي الاشتراكي نتائج هذا الحوار وإعلان بعبدا؟
بداية يعتبر أمين السر العام في الحزب التقدمي الاشتراكي ظافر ناصر ان مجرّد انعقاد طاولة الحوار امر ايجابي، على قاعدة ان اي خلاف سياسي لا يمكن لشيء ان ينظمه ويديره سوى الحوار بين الفرقاء اللبنانيين، لا سيما في هذه المرحلة حيث القلق يساور الجميع نتيجة بعض التوترات والاصوات الامنية التي تحصل تحديداً في طرابلس، ولذلك فإن لانعقاد طاولة الحوار وتواصل الفرقاء مع بعضهم البعض اهميته، حتى لو لم تتوصل لنتائج سريعة وجذرية في الامور التي تطرح في البلد، لا سيما منها الملفات الخلافية، مؤكداً ان طاولة الحوار هي من العوامل الاساسية التي تساهم في احتواء التوترات خصوصا ان النظام السوري يسعى جاهداً لنقل ازمته الى لبنان، معتبراً ان مسؤولية تحييد البلد عن النتائج السلبية لهذه الازمة تقع على عاتق الجميع.
وفيما اكد ان احداً لم يراهن على نتائج حاسمة من الجولة الاولى لطاولة الحوار، رأى ناصر ان البلد يمر بظروف استثنائية، ولذلك علينا جميعاً ان نمرّر هذه المرحلة بحد معقول من الاستقرار الداخلي، مشدداً على ان احد مقوّمات تأمينه هو انعقاد طاولة الحوار، اما مسألة النتائج المتوقعة خصوصاً في القضايا الخلافية التي نعتبرها خلافات جوهرية مرتبطة بالجلسات المقبلة، مشدداً على ان لا بديل عن الحوار للتوصّل الى حلول لهذه الخلافات الجوهرية.
وعن اعلان بعبدا وما تضمنه من مواقف إن بالنسبة لسياسة النأي بالنفس او اتفاق الطائف، فأعرب ناصر عن تأييد الحزب التقدمي الاشتراكي لهذه السياسة لا سيما لناحية النأي بالنفس عن الازمة السورية، وعدم جعل لبنان معبراً لها بالاتجاهين من سوريا الى لبنان او من لبنان الى سوريا، ولكن من دون ان يعني ذلك النأي بالنفس عن ازمة النازحين وعدم التعامل معهم انسانياً، اضافة الى ضرورة الحفاظ على حدودنا بعيداً عن الازمة السورية، بحيث لا تكون معبراً لا للسلاح ولا لأي امر له علاقة بالازمة الداخلية السورية.
اما فيما خص القضايا الخلافية الاخرى بين اللبنانيين والمرتبطة بالوضع السوري فيمكن ان نبقيها ضمن حدود مقبولة بعيداً عن اي امر قد يجرّ البلد للإنزلاق بإتجاه اي ازمة.
اما فيما خص التمسك باتفاق الطائف وهل يأتي كرد على مطالبة البعض بمؤتمر «تأسيسي» او «بعقد اجتماعي» جديد للبنان رأى ناصر ان الاعلان عن التمسك بإتفاق الطائف من بيان بعبدا أمر مطلوب، لانه ليس هيّناً الحديث عن اي اتفاق جديد بين اللبنانيين فلدينا اتفاق أنهى الحرب الأهلية ويجب ان نتمسك به، ويمكن ان يترافق ذلك مع بحث في تطويره وتعديله وشرط التوافق بين اللبنانيين على ذلك، اما الحديث عن اتفاق جديد في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها لبنان فأمر غير واقعي، فإتفاق الطائف حظي برعاية عربية ودولية حتى أنجزناه، لكن اليوم من سيرعى أي اتفاق جديد يطرح على بساط البحث، ومن سيؤمّن أمر تنفيذه، ولذلك علينا التمسك بهذا الاتفاق، علماً ان تطوير آلياته لا يضر، وانما ذلك يحتاج إلى ظروف معينة لتأمينه.
وفيما خص سلاح «حزب الله» ورؤية الحزب التقدمي الاشتراكي لحل هذه المسألة قال ناصر: منذ بداية الحوار قدّمنا رؤيتنا للاستراتيجية الدفاعية التي نعتبر انها كفيلة بمعالجة هذا الخلاف، لافتا ضمن هذا الاطار ان «حزب الله» وافق على مبدأ الاستراتيجية الدفاعية وعلى ان تكون المقاومة جزءًا منها، ولذلك فإن هذا البند سيكون بنداً للبحث على الطاولة الجديدة، وعن الدوافع التي أدت إلى انعقاد طاولة الحوار وما اذا كان هناك تغيّرات من الموقف الاقليمي والدولي استدعت إنعقاده.
أكد ناصر انه اذا كان هناك من اشارات اقليمية ودولية بضرورة الحوار فهو امر يجب ان يتلقفه اللبنانيون، لافتاً إلى الدعوة الروسية بعقد مؤتمر دولي حول سوريا، وبانتظار نتائج الحركة الاقليمية والدولية حول سوريا فالأحرى بنا كلبنانيين ان نلتقي حول طاولة الحوار لتقطيع هذه المرحلة في جو هادئ يمكننا من إحتواء التوترات والمشاكل المتنقلة بين المناطق.
وفي تعليقه على محضر المؤسسة اللبنانية للإرسال حول لقاء جدّة ردّ ناصر إلى النفي الصادر عن الأطراف المعنية به.
