#dfp #adsense

مدرسة غسان تويني

حجم الخط

 أصل الى "بيت الشاعر"، الى المنزل في بيت مري، بتشوق لالعب في الحديقة. يستقبلني "جدو غسان"، فاركض وألهو….

كم كانت جميلة تلك الايام! يا ليت الوقت توقف عندها، ولم اكبر لاختبر كل هذه التجارب المرّة… اختبرت معه كل انواع التحديات الثقافية، عشت كل النشاطات التي ساهمت في تكوين شخصيتي، وكنت اظن ان حياتي ستكون دوما مليئة بالبسمة والمسرح والموسيقى والرسم واللهو، وان لا شيء سيوقف كل هذا… اتمشى في الحديقة معه، ومع شاديا، وندخل في الحرج، في الطبيعة التي أحبها دوما لانها كانت تقربه من الكمال والجمال الالهي. ثم نتجه لنضيء شمعة حيث ترتاح ناديا ونايلة. لم اكن حينذاك افهم غرابة الامر، فكنت أطرح سؤالاً تلو الآخر، فيما يحاول جدي تكراراً شرح الموضوع لي. لكن براءة السنوات الثماني لم تمكني من استيعاب اللغز الاكبر الموت! كنا نلعب بين صور جبران الجد وزوجته أديل، ومن ثم بين صور ناديا ومكرم ونايلة قبل ان ينضم اليهم جبران.

شجعنا دوما على الدراسة والقراءة والثقافة، لكن، عذراً جدي، فمهما فعلنا لن نتعلم بقدر ما يمكننا ان نتعلم في مدرسة غسان تويني. وضع المقياس عاليا، حتى صارت فرص النجاح في مدرسته عسيرة. فأن يمر الانسان بكل تلك التجارب وينجح بتفوق، هو استثناء لكل معايير المنطق.

المرور بمدرسة غسان تويني شرف كبير، ومسؤولية اكبر، لانك تتخرج فيها رافضا ان تهزم، ومرغماً على تحدي نفسك دوما. يعلمك ان تصمد، ان تواجه السجن، وخسارة الاحبة، والمرض، والتجارب، وانت مرفوع الرأس شامخاً.
في مدرسته دروس كثيرة :

تحتقر الهجرة، اذ يقول: الذي يهاجر يكون بدويا، بلا وطن. الوطن ليس فندقاً عندما تسوء الخدمة فيه نغادره الى سواه.
يعلمك ان الحكم عندنا حكم من فوق، يتوسل الجماهير بعد حكمها، فلا هو يصل بواسطتها، ولا هي تحكم بواسطته.

مدرسة غسان تويني رفعت الصوت قبيل حروب الآخرين على ارضنا في العام 1975: الى أين، الى اين كل هذا الحديث الطائفي؟ مستقبل لبنان ليس في ما يفرّق بين اللبنانيين بل ما يجمع بينهم، ميثاق لبنان الجديد يجب ان يكون شرعة الولاء المطلق غير المشروط للبنان الخير والبيت والثروة والعمل".

علمتنا تلك المدرسة ان الاحزاب التي لا تجدد شبابها والتي لا يجددها شبابها تموت.
هذه المدرسة، اليوم ايضاً، تقول الكثير، وتعلم الكثير، تعلمك أسرار المهنة واسراراً اخرى، تحدثك عن حرب الآخرين وعن قرون من اجل لا شيء، والاهم انها توصيك بدفن الاحقاد وبالصفح.

المصدر:
النهار

خبر عاجل