"من غير عدالة ليست الأمم سوى زمرة من اللصوص"
أوغسطينوس
كان يقتضي ان يغيب لكي تبلغنا وزيرة فرنسية (1) من كان. لقد كان أبا الوطن اللبناني، او الأمة اللبنانية بالتعبير الاوروبي. ولمَ لا؟ ألم يكن يشبه الاوروبيين كما قال "اسقف العربية" جورج خضر فوق نعشه؟ ألم يستعر هو مصطلحات الدلالة من حضارة الاغريق التي بدأ فيها حياته؟
كان ابا الوطن اللبناني الذي حلم به. جميع احلامه كانت مستحيلة او فائقة الكبر. طلب مني مرة ان اشاركه في وضع كتاب عن الاستقلال. قلت له، لماذا ليس كتابا عن الكبار الذين عرفتهم هنا، على طريقة ريتشارد نيكسون في "قادة"؟ رماني بتلك النظرة المزيج من الاستذة والرعوية والتأنيب: مثل مَن؟ لم أكرر العرض.
في فكره، يستحق التقدير والذكر، من تكتمل فيه مشاعر وقواعد التمدن. الغابة ليست تمدنا. عندما قال فوق نعش جبران فلننس الحقد والثأر، كان يعني بذلك فلنتمدن. نحن اسرة لا قبيلة. أهل قانون، لا نقابل الجريمة بالجريمة. ونحن اصحاب الوطن، والوطن ليس دائرة حقد وثارات ودماء تغطي دماء. الدم المسفوح لا يستعيد الدم الزكي من يد السفاح.
خسر لبنان ما يسمى في اوروبا حامي الحقوق! صانع التصالح، ومجد الصفح. ولكن قبل كل شيء، فقد فيه رقيب التمدن. بذلك، يقصد الرجل المعني فقط بالتحضر الانساني، ماضيا وحاضرا ومستقبلا، بدءا من الحق المقدس بالحرية الفردية والوطنية، وصولا الى الحق المقدس باحكام القانون وروح العدالة.
كان يقلقه ان العالم العربي غير آبه بالحريات وغير مدرك لمعنى القانون. وكان يسعى الى ان يتقدم العرب في هذا الاتجاه من أجل ان يضمن حماية لبنان، كبلد مستقل ووطن احرار. وكانت اقانيمه هذه تزعج الكثيرين، وخصوصا سوريا، حيث منعت "النهار" في جميع العهود باحكام شديد. لكن المنع الساذج حوّلها في سوريا من جريدة الى نسمة، ومن صحيفة الى "مانيفستو" حريات وربائع. وعندما كان اليمن الجنوبي تحت الحكم الشيوعي المغلق، كانت "النهار" الأكثر قراءة، على الاقل، بين اهل الحكم. وكذلك في العراق. فالجريدة العميلة كانت في حقيقة الامر مشتهى الانظمة التي تمنعها على الناس وتوزعها على اصحابها كالحلوى والبخور. وفيما عززت "النهار" صناعة الورق، عززت صحف "الصمت زين والسكوت سلامة"، صناعة الخشب وجلود الطبول وتبديد اعمار الناس في الفقر والقهر، والعيش في بيوت لا يدخلها نور الحياة وكرامة العيش.
كان هاجسه الوطن، وهمه الأمة. اراد لهما روحانية الشرق، وعقلانية الغرب. بعد الغروب في بيت مري كان يدفع عنه صغائر اليوميات اللبنانية ويدخل الى عالمه الحقيقي: امرسون وبول فاليري وفرنسوا مورياك. وفي سره كان يريد ان يكون مورياك واخلاقياته وايماناته في بلد كل شيء فيه قائم على الضلال وفساد النفوس. كان مورياك، ولو من دون ديغول.
عندما خاض معركة النيابة في عاليه، ذهبت اليه وحيدا في المنزل الذي اتخذه هناك. كان وحده ومعه رئيس تحرير "جريدة عاليه" التي اطلقها يومها، كجزء من فكره الحداثي المثير. قلت له، كيف لك ان تترك امبراطورية "النهار"، وتأتي الى هنا بحثا عن مقعد نيابي؟
قال: لا يزال عالمنا متأخرا. لكي تحمي الكثير من التأثير لا بد من القليل من السلطة. لا استطيع ان اتقدم بمشاريع في افتتاحية "النهار". لا بد من مقعد في البرلمان اذا اردت ان تحقق شيئا.
وبعد غياب بيت مري كان يعوض غبار السياسة بشيء من امرسون برواية من الروسيا، كما كان يسميها، في بطريركياته الادبية. ذهبت الى موسكو عام 1972 من اجل قمة نيكسون – بريجنيف. اربعون عاما تماما في مثل هذا التاريخ. كتبت في "الملحق" مفكرة غير سياسية عن الرحلة، فيها مشهد عن امرأة متقدمة في السن، طويلة، نحيلة، ترتدي فستانا اسود بسيطا، وترسل فوق كتفيها ضفيرتين سارحتين. كانت تمشي تحت احد الجسور، وتتمتم شيئا، وفجأة رفعت يدها ورسمت اشارة الصليب.
توقف عند ذلك المقطع من المفكرة، عندما عدت. قال لي، كيف يلمح المرء سيدة تصلّب يدها على وجهها في عاصمة ستالين؟ هل تعتقد ان الارثوذكسية عائدة الى الام الروسيا؟ كان يلمح الاشياء في عبابها. كان يرى الاشياء في آفاقها. وكان يربط كل شيء بهذا البلد المعتل بأهله، مؤمنا بأن القيامة الوحيدة في قيام دولة مدنية، ومجتمع مدني، وعدالة مدنية. وما عدا ذلك نزاعات دائمة بطابع مختلف، وقبليات دينية تستقوي كل منها بسيد خارجي، وديكتاتوريات صغيرة تتطاحن في قضايا صغيرة.
التمدن يحمي الجسم الوطني من نقص المناعة وضحالة الرغبات. الحرية تحمي العدالة، كان يقول. لهذا كره العسكريتاريا، وليس العسكريين الذين كانت له بينهم صداقات كثيرة. وأكثر ما أبغض فيهم انهم اطبقوا على البلاد العربية وساهموا في ذهاب فلسطين حيث بدأ حياته المهنية مراسلا في القدس، عام 1947. عاد من هناك مقتنعا ان الخيانة – او العجز – في القبعات المزركشة والاوسمة الفارغة، باسم فلسطين الذبيحة اخذوا حريات الناس ودمروا الجامعات واهلكوا النظم التعليمية وسلموا كل شيء الى الثكن.
كان يحتقر الرجال المزركشين. ويقول ضاحكا ان "عمى الالوان" الذي اصابه وفر عليه غثيان التهريج في مواضع ومقاعد الحكمة والقيادة.
كان صديقا للملك حسين ومعجبا به. ذات مساء اتصل المعلم بي في نيويورك وقال: الملك حسين على التلفزيون في الثامنة، حاول ان تحضره. وفي اليوم التالي سألني، كيف رأيت المقابلة؟ قلت: ملكية! Regal. ولكن بعد فترة قال الرجل نفسه: كيف تسمح دولة مثل الاردن بجريمة الشرف؟ اين هو القانون؟ يجب ان نكتب في هذا الامر. هذا شيء غير مقبول.
لم يكن يراعي احدا في جوهر القضايا. رفض اغراءات الديكتاتوريات العربية ورفض تهديداتها. لا ذهب اليها ولا رحب بها في "النهار". تحمل غلاظاتها ونعوتها ولغتها، وكنا نسأله لماذا لا نرد؟ فكان يقول، نرد عندما يتأدبون. لن نعطيهم شرف الاعتراف بوجودهم.
كان التمدن حلمه. التمدن ليس بمعنى شهادة الطب او الهندسة او القانون، وانما بتدجين وتهذيب غريزة الثأر والانتقام. عندما تدعو الى نسيان الحقد والانتقام فوق جثمان ابنك، لا تكون انسانا خلف التخيل، بل تكون انسانا يمهّد لوطن. ساءه ان تدعو الجزائر الى انتخابات عامة عام 1992 ثم ان تلغي النتائج بعد فوز المتطرفين. قال ان التطرف تخلف وشر لكن حق الخيار الديموقراطي لا يلغيه احد. بهذه الروح تقبل هزيمته في عاليه فيما هو في عز شبابه وعز مجده الوطني والعربي ومكانته الدولية. بهذه البساطة تقبل كل الآراء في "النهار". مرة كان في ايران بدعوة من دار اطلاعات. وبكل سهو وغباوة كتبت يومها تعليقا مطولا عن الفقر والاستبداد في طهران. وبعد فترة سألني منح الصلح كيف تلقى الاستاذ "التوقيت". آنذاك فقط عرفت ماذا فعلت. اما هو فلم يشر الى الامر. ولو بعد اربعين عاما.
لا نعرف عدد الشكاوى التي كانت ترده علينا، لأنه لم يكن يفاتحنا بها. كانت "النهار" في الداخل اهم بكثير عنده من "النهار" في الخارج. وكما كان يصفح في الخارج كان يصفح في الداخل.
لم يطلب ولاء بل محبة. ولم يطلب ابطالا بل مهنيين يقيمون علاقة صادقة ورفيعة مع الناس. وكان قاسيا فقط في محاسبة نفسه، يعيد ويستعيد ويصحح ثم يستبدل ثم يسأل ثم يرسل المقال الى فرنسوا عقل للتدقيق الاخير.
نعاه العرب في كل مكان. رثاه صحافيوهم في كل الجرائد. بكاه رفاقه في الديبلوماسية الذين يذكرون فيه راقيا ساحر الحضور والتأثير. قال كورت فالدهايم لسفير لبنان في فيينا سمير شما: علمني غسان تويني كل ما يجب ان اعرفه عن الشرق الاوسط. ولو بقيت في الامم المتحدة لعلمني ما يجب ان اعرف عن بقية العالم.
1 – يامينا بنغيغي، الوزيرة المفوضة للفرنكوفونية وشؤون الفرنسيين في الخارج.