وسام على نعش أم على ناووس ملك عظيم؟ حتى والجسد هامد في علبته الخشبيّة… يُكرَّم. الجمهوريّة قالت له " شكراً". ولكن من يصنع العظماء؟ لا أحد. يصنعون هم أنفسهم. يطبعون حياتنا وهم بيننا. ويطبعون حياتنا بعد رحيلهم. لا يشيخون. هناك من يموت في الثلاثين ويُدفن في الثمانين، وها من يموت في الثمانين ويُدفن في الثلاثين. "الشاب إذا كان ثائراً وإن شاب يظلّ شابّاً"، قالها صاحب الشيبة الجميلة. العظماء، مثله، عروقهم تنقل التاريخ وعِبَره، والحاضر وقلقه، والمستقبل وتوجّساته عبر عروقنا. شرايين من الحبر تلوّننا أفكاراً. "أكتبوا. أكتبوا. الصّحافة رسالة. ما همّها إذا لم تغيّر شيئاً في الواقع الأليم". على حق هو، فهل يتوقف الكاهن عن الوعظ لأن كلماته قد تسقط في أرض قاحلة ؟ أكتبوا. أصرخوا: الإنسان حيوان ناطق بالحريّة. الجسد جسد. يزول. الكلمة روح. تشعّ. أكتبوا، فالجسد الميت يحيا بالكلمة التي تبقى. الكلمة رسالة للقدّيسين، للذين يتألقون بالنور. لمن يكرهون الظلمة. الشرايين التي تنقل حبراً ترشح على الدّوام. وكلما كره صاحبها العظمة، أصبح عظيماً. يملأ ذاكرتنا بوداعته، بغفرانه، ببسمته العاديّة. نحن نرفض الفناء ونهابه، لكننا يجب أن نفرح لغسّان. غسّان الذي قد لا تسعه السّماء، جالس الآن إلى يمين الله، يكتب له. يقرأ له، والله يفرح به، لأنه يرى فيه وجهاً لذاته، كما أراد في بداية الخلق. إفرحوا لغسّان فرح النبي داوود، الذي عندما فقد ابنه الحبيب، توقف عن الصّيام، وأمر بوليمة. وقال لمن سأله عن سبب فرحه، وهو الذي كان يبكي طوال مرض ابنه: "إنني أعرف الآن أنني أنا أسير نحوه، نحو الحياة الأبديّة، ولا هو نحوي، نحو الحياة الفانية. نعم، فلنفرح لأن غسّان مع من يُحب. ففي الموت فرح اللقاء. في الموت سعادة تروي ظمأ المشتاق. رحل غسّان. حقاً رحل؟ نظرة أخيرة إلى النعش، ونسأل: "هل تغفو هذه العيون وراء الجفون؟ وهل هي الآن في ليل الغياب المعتم؟ لا، إنها لا تغفو أبداً. فالنور وراءها دائم السّطوع… حتى في سكون الغياب. بماذا نشعر عندما يرحل العظيم؟ نشعر بفراغ عميق. قال اكتبوا. الآلاف يكتبون وأنت تكتب والألم يملأ القلم. أكتبوا، قال. سمعاً وطاعة، يا معلم. ها نحن نكتب ونبكي.
نايلة، إفرحي. لم يمت جبران. لم يمت غسّان. لا بأس بدموع الليل. فنحن نعرف أنها ستجف من حرارة الشمس بعد طلوع كلّ نهار.