استفاق اللبنانيّون بالأمس، على كابوس عودة شبَح الحرب الأهلية، بعد تهديد "الحواري" رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد بحرب أبشع من حرب الـ75. وتساءل المواطنون الآمنون، الحالمون بدفء الحوار وسلامه عن أوضاعهم ومصيرهم، وما سيحلّ بممتلكاتهم وأرزاقهم، والى أين سيذهبون إذا صدقت التهديدات والرؤى "الحوارية" الرعدية؟.
البلبلة انتشرت بسرعة البرق. فقد نسف كلام رعد كل الآمال بتسوية تحفظ الإستقرار في الصيف. فهو "وعدهم"، بصدق طبعاً، بأن حرب الـ75 كانت نزهة أمام الحرب القادمة، بينما الشعب اللبناني يريد الذهاب في نزهة "بك نك" واستجمام في الطبيعة.
انعكس رعد الكلام فوراً على الأرض. في الطرق يدور الحديث بين المواطنين عن الأوضاع العامة، ويستحوذ كلام رعد على القسط الأكبر منها. في أحد المقاهي في الدورة يجتمع على طاولة واحدة أشخاص من إتجاهات سياسية مختلفة، ويبدأ النقاش.
يقول أبو ربيع، من منطقة البوشرية، إن "كلام رعد خطير فكل مقومات إشتعال الحرب موجودة، السلاح، المال، التحضير النفسي، والأجواء المذهبية المشحونة، والواقع بحاجة الى قرار سياسي لتعود صورة العام 1975".
يبادر خليل الى التشكيك في كلام رعد، فهو لا يرى أن "الحرب الأهلية ستعود لأن اللبنانيين دفعوا أثماناً باهظة، وتعلموا من دروس الماضي، ولن يعيدوا أخطاءهم"، فيردّ عليه جورج: "أنا مع التيار الوطني الحرّ ونتيجة ورقة التفاهم مع حزب الله إكتشفنا أنه صادق، فكل ما يقوله الحزب يحدث فعلياً، وكلام رعد بالتأكيد صحيح، لأن هناك مقولة أصبحت معروفة عند الإسرائيليين وهي أنهم يصدّقون قيادة حزب الله أكثر من القيادة الإسرائيليّة". عندها ينبري شاب يجلس بالقرب منهم ويستمع الى الحديث ويرد على جورج قائلاً: "إذا حزب الله هدّد الإسرائيليين بحرب وصدق، فهل نحن مثل الشعب الإسرائيلي بالنسبة إليه؟، وهل سنرى القمصان السود في منطقتنا؟. فهل تفرح لأنه صادق بينما يجب أن تحزن على الوضع الذي وصلنا اليه؟".
يحتدم النقاش فيتدخل الشاب موريس وينتقد كلام رعد "الذي وعد بحرب غير الحرب السابقة التي كانت نزهة، فنحن شعب نحب أن نذهب نزهات في الطبيعة، و"بك نك" في الجبال ونزهات صيد، ونزهات للتعرف الى المناظر الطبيعية والمواقع الأثرية، ورعد يريدنا أن نذهب نزهة حرب، وهذا الكلام قاله نصرالله للاسرائليين فهل أضاع رعد البوصلة؟ نحن شعب يحب الحياة وليس الحروب، فليذهب رعد وحده إلى نزهة الحرب ولن ننجرّ وراءه إلى الحروب العبثية".
هذا الحديث المتوتر، إنعكس على حركة الأسواق التجارية، ففي منطقة الطريق الجديدة الحركة بطيئة، والزبائن قليلون، وتقتصر مشترياتهم على الحاجات الأساسية. الدخول الى محال الملابس بات إستثنائياً ونادراً، وعند سؤال أحد أصحاب تلك المحال عن السبب، يبادر الى القول، "شو منّك عايش بهالبلد، ومش سامع التصريحات السياسية وآخرها من النائب رعد؟".
سبّبت تصريحات رعد إشمئزازاً لدى المواطنين، فيقول جورج الذي يملك محل حلويات في الأشرفية: "لم نعد نفهم على حزب الله، فساعة يريد تغيير وجه المنطقة، وساعة يريد محو إسرائيل من الوجود، لكن وكعادته كل مشاريعه تمرّ بتسميم المناخ اللبناني، وتخريب صيفنا الواعد، فهل هو يقصد ضرب الإقتصاد لكي يبقى ممسكاً بالقرار اللبناني؟".
ويبدي تخوّفه على مصيره ومصير محلّه، فهو أمضى عمره من أجل بنائه وتطويره، ولم يعد يتحمّل "التهجير والعودة الى نقطة الصفر، من أجل حرب عبثية تؤخّر البلد ولا تقدّمه".
أجواء التشنج إنتقلت الى كل لبنان، فالطريق التي كانت تعجّ بالسيارات حتى في الليل أصبحت شبه خالية، بينما كانت في العام الماضي في مثل هذا الوقت تشهد حركة لافتة. فليل الحمرا الذي كان لا ينام، يبدو أنّه بدأ يشعر بالنعاس، لا زحمة ولا هواة سهر، فهؤلاء لم يغيّروا وجهتهم لأنه كما يلفظ محمد "المدمن على السهر فيها "الحمرا تبقى الحمرا ولا شيء ينافسها، بل هناك أزمة سياسية إنعكست على الوضع الإقتصادي والأمني، وحادثة كاراكاس أكبر دليل".
ويدفع قطاع السياحة الضريبة الأكبر، فالمطاعم تعيش حالة لا تُحسد عليها، والفنادق تدق ناقوس الخطر، وهذا الوضع يرتدّ على أصحابها وعلى العاملين فيها، ومعظمهم من طلاب الجامعات الذين يعملون في الصيف لتسديد أقساط جامعاتهم.
يُبدي أنور الذي يعمل في أحد مطاعم جونيه إمتعاضه الشديد من الحالة التي وصل إليها، فهو مهدّد بترك وظيفته، وقد ذهب الى المطعم في الأحدين السابقين، لكن لم يأتِ الزبائن كالعادة، فكل إتكاله على عمل الصيف وإلا فالكارثة ستحلّ عليه.
هذا الوضع يدفع المواطنين الى التعبير عن تخوفهم من أن يكون الصيف المقبل حاراً ومتفجراً بأصوات تشبه الرعد الذي أنبأ بها، بدلاً من تعليق الآمال عليه.