قبل سنوات معدودات، وفي أعقاب "صلح الدوحة" وخلال المفاوضات لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية يومها، طالب نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان باستحداث منصب نائب رئيس للجمهورية يكون من حصّة المسلمين الشيعة ما لم تأت وزارة المالية من نصيبهم، وأثار هذا الكلام وقتها مجموعة من الردود الرافضة في المضمون كما في الشكل، والمرتكزة على مرجعية الميثاق، ودقّة التوازنات، وعدم امكان الموازنة بين حصّة وزارية وبين استحداث منصب نائب رئيس للجمهوريّة. وكانت أحداث 7 أيّار ما زالت قريبة العهد، فاعتبر هذا الكلام طعناً في "إتفاق الطائف"، وغير ذلك من أنماط ردود يحفظها الأرشيف.
رغم ذلك كلّه ، يسجّل للشيخ قبلان وقتها أنّه طرح فكرة مباشرة، واضحة، ملموسة، تتصل بتعديل وجه من وجوه التركيبة الدستوريّة اللبنانية، فقال رأيه بصراحة، وترك الآخرين يبدون رأيهم في رأيه بصراحة واحترام كليين أيضاً، وجرى طيّ صفحة الإقتراح بعد ذلك.
في المقابل، فإنّ "حزب الله" ينطلق اليوم من مسلّمة سليمة نظرياً، وهي أنّ إتفاق الطائف ليس مُنزلاً ولا منزّهاً، ليدعو مواربة، وبشكل غامض إلى تعديل هذا الإتفاق أو الإقلاع عنه جزئياً أو كلّياً، دون افصاح أيّ شيء عن طبيعة الصيغة البديلة، باستثناء استقدام عبارات مبهمة حول "المؤتمر التأسيسيّ" و"المرحلة التأسيسية"، ومنتظراً من اللبنانيين أن يشيدوا بانسجامهم المنطقي حين يدعو إلى إباحة النظر في ذلك من ناحية، مع حظره طرح الأسئلة في موضوع التفاوت اللاميثاقي في أوضاع الجماعات اللبنانية، كون جماعة معيّنة تمتلك السلاح دون الجماعات الأخرى، أو أكثر نوعياً وكمياً من الجماعات الأخرى، وفي كل الحالات على الرغم من إرادة الجماعات الأخرى، ما يعني بشكل أو بآخر أنّه سلاح موجّه، إن لم يكن ذاتياً فموضوعياً، ضدّ الجماعات الأخرى.
فإذا خرج أحد ما لتفسير قصد "حزب الله" من المرحلة التأسيسية أو المؤتمر التأسيسي، بأنّها دعوة للإنتقال من "المناصفة" الإسلامية المسيحية إلى "المثالثة" المسيحية السنية الشيعية، ردّ عليه الحزب بأن ذلك افتراء، ولم يقل ذلك، من دون أن يكمل نفيه هذا بأي تأكيد للمناصفة لا من قريب أو بعيد. ما يعني أنّ دعوة "حزب الله" التأسيسية تقرّ بتجاوز المناصفة بشكل أو بآخر، لكنها لا تقرّ بأنّ المثالثة هي البديل المبيّت لدى "حزب الله".
وهذا بمعنى من المعاني صحيح، ذلك أنّه إذا كانت "المناصفة" كسمة عامة للنظام الدستوريّ اللبنانيّ، تنطلق من المناصفة كسمة خاصة للتوزيع العددي لمقاعد مجلس النواب بين المسلمين والمسيحيين، فإنّ "المثالثة" لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنطلق من تعميم سمة خاصة على هذا النحو، باستثناء تلك المثالثة القائمة فعلياً بين الرئاسات الثلاث، المارونية والشيعية والسنية، وبشكل تراتبيّ دستورياً وبروتوكولياً، انما بشكل متفاوت على الصعيد الزمني بشكل مختلف: حيث رئيسا الجمهورية والحكومة يتبدّلان دورياً أو موسمياً، أما رئيس مجلس النواب فهو هو لا يتبدّل.
يعني ذلك بالنتيجة، أنّ احلال المثالثة بدل المناصفة لا يعني في الوقت الحالي، وبالنسبة الى "حزب الله"، إلا الطعن بالمناصفة، واعتبارها لاغية، وصولاً الى اعتبارها موضوعاً خلافياً، دون أن يجد نفسه مضطراً الى تعريف البديل منها، إنما سيكتفي بوصف البديل بأوصاف تفخيمية من نوع "مؤتمر تأسيسيّ" و"مرحلة تأسيسية". أمّا في المضمون فليس هناك أي فكرة عملية تطرح، كتلك التي طرحها الشيخ قبلان عام 2008، فنالت نصيبها من النقاش، ثم تجاوزتها الحياة السياسية.
وبشكل أكثر إحاطة، فإنّ "حزب الله" الذي يكشف أكثر فأكثر تناقض رؤاه ومصالحه مع فكرة "المناصفة" من ناحية، ويتبرّم من وضعية يكون فيها أقوى عنفياً إلى هذه الدرجة عن بقية اللبنانيين وغير قادر على فرض هالته وواقعه كحزب مهيمن وشامل بالشكل المطلوب، لا يستطيع مع ذلك التفكير عملياً في ما يمكن اقتراحه لتأمين هيمنة مديدة مستقرّة نسبياً في يديه. على العكس تماماً، بعد كل جولة، وفي اثر كل منبر، يظهر أنّ ما أضاعه "حزب الله" في مناسبة انتخابات 2009 لن ينجح أبداً في استعادته. وقتها فقط، كان ممكنا لانتصار "حزب الله" في الإنتخابات النيابية أن يقلب موازين اللعبة الداخلية.
أمّا بعد ذلك، وحتى لو صارت الأكثرية أقلية والأقلية أكثرية، بتأثير من السلاح بالدرجة الأولى، وحتى لو قامت حكومة فئوية، فإنّ مشروع اقامة نظام هيمنة فئوية يقوده "حزب الله" قد فشل، وإن كان من مهمّة تأسيسية يتعاون اللبنانيون لبحثها، في مهمة البحث عن بديل لفشل أكبر حزب مسلّح في تاريخ لبنان في أن يفرض أجندته وقيمه على اللبنانيين الآخرين رغم كل ما بلغه من قوة، وتحديداً عن بديل لفشل هذا الحزب، وهو في ذروة إعراضه عن الدستور واتفاق الطائف والميثاق، ومطالبته بميثاق جديد، في أن يقول لنا أي فكرة مفيدة عن نوعية الميثاق الجديد الذي يحلم به أشرف الناس.
في الوقت نفسه، منطق "حزب الله" يقول: هناك ميثاق معطّل، إذاً ينبغي التأسيس لميثاق جديد. وعلى هذا المنطق ينبغي أن يُردّ بوضوح: هناك ميثاق معطّل، لكنّ هناك سلاحاً يعطّل اصلاح الميثاق القائم، كما التأسيس للميثاق الجديد، بل انه سلاح لا يجعل صاحبه قادراً حتى على طرح فكرة واحدة مفيدة حول نوعية الميثاق الجديد كما يريده. السلاح يجعل "الحزب" ثرثاراً كثيراً في باب تخوين الآخرين، لكنه يجعله أبكم بشكل مطلق في باب اقتراح أفكار جديدة لتعديل ما يراه هو بحاجة إلى تعديل في الصيغة اللبنانية.