Site icon Lebanese Forces Official Website

وليد عيدو.. عاشق الربيع حتى الشهادة

وليد عيدو شهيداً، لم يتغير في الأمر شيء منذ خمس سنوات، مات الرجل وسار الاغتيال في طريقه العادي، وصل إلى أنطوان غانم واللواء فرانسوا الحاج وبعده إلى الرائد وسام عيد، ليقفل موسم الاغتيالات حينها على حملة السابع من ايار التي قتل فيها الناس واحتلت العاصمة وقصف الجبل بالمدفعية الثقيلة، ولكنها تلك الحرب – رغم مساوئها وسيئاتها أنتجت لقاء الدوحة والاتفاق على حكومة الوحدة الوطنية مقابل وقف الاغتيالات السياسية.

هكذا غادر وليد عيدو في منتصف الرحلة، لم يبق ليشهد ما حصل منذ ذلك اليوم وحتى هذه اللحظة، لم ير كيف تحول السلاح "المقاوم" من تحت لافتة مقاتلة العدو الإسرائيلي إلى رصاص وقذائف تطلق على المدنيين العزّل في شوارع بيروت. خرج عيدو من بحر بيروت إلى رحاب طرقها مع نجله خالد فذهب به الموت سريعاً، كانت العبوة كبيرة، ولذلك لم يستطع أبو خالد أن يبقى هنا ويرى أيضاً انتفاضات العالم العربي والتغيرات التي طرأت من خلال الحراك الشعبي من تونس إلى مصر واليمن وصولاً إلى سوريا التي أخذها نظام الأسد إلى الحرب الأهلية لكي لا يتخلى عن الكرسي والنظام المهترئ.

وليد عيدو العربي حتى القيامة واللاطائفي والعادل في أحكامه القضائية والمدافع عن أفكاره حتى النهاية، اغتاله نظام الوصاية في رأس بيروت، فهو كان رأس حربة وخط الدفاع الأول عن اللبنانيين في مواجهة جرائم نظام "الوصاية" القابع في دمشق. المناضل في ساحة الشهداء وفي المجلس النيابي وفي لجنة المتابعة في 14 آذار، الذي وقف في وجه "المجرم"، حاملاً قضية الرئيس الشهيد رفيق الحريري وكل شهداء الحرية والاستقلال، استُهدف في إطار اغتيالات تمنع قيامة لبنان الدولة.

متفجرة ذلك اليوم قتلت الكثير من الأحلام، شبان كانوا يمرون مصادفة من هناك أو كانوا أنهوا ألعابهم في نادي النجمة أو ذهبوا إلى مقهى قرب البحر ليقرأوا نصوصاً ودراسات، من بين تلك الأحلام كان خالد عيدو الابن الأكبر للشهيد وليد، الشاب الذي رفض أن يترك والده بل أصرّ على مرافقته في كل أوقات فراغه ليكون صديقه.

عبوة ذلك اليوم كانت الأولى بعد إقرار المحكمة الدولية في مجلس الأمن، كانت المحكمة تسلك طريقها الطويل للبحث عن المجرمين وليكون عملها سبيلاً لوقف الاغتيالات. والعبوة يومها كانت الخامسة في سلسلة الإجرام "البعثي" المتنقل خلال عام 2007 وحده. هذه الجريمة التي جاء توقيتها قبل انتخابات رئاسة الجمهورية وفي اللحظة التي يقوم بها الجيش بحربه على عصابات المخابرات السورية في نهر البارد. أتت كإعلان مرحلة جديدة من الحرب على اللبنانيين من مرحلة التفجيرات المتنقلة.

استطاع وليد عيدو في حياته أن يكون قريباً من الشباب على الأرض، وهو المعروف بالحضور الدائم في مخيم انتفاضة الاستقلال اللبناني في ساحة الشهداء، كان يصرّ على التواجد يومياً، يزور ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري، يعود إلى ناحية التمثال يلقي تحيته على الناس كأنهم أصدقاؤه من كل لبنان، يسهر معهم ليعود إليهم في اليوم الثاني مدركاً حجم الخطر الذي قرر أن يجابهه.

الرجل الذي أحب بيروت وعشقها كان يدافع حتى الرمق الأخير عن عاصمة الوطن الذي عمل كل حياته من أجل بنائه من شبابه قومياً عربياً ناصرياً إلى عمله في القضاء وبعدها إلى النيابة في العام 2000. السائر على خطى شهداء انتفاضة الاستقلال وهو يدرك حجم الأخطار ومداها. الثائر في الانتفاضة مع سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيار الجميل. كان يعلم أن "المجرم" لا يسامح اللبنانيين على إخراجه من لبنان ولذلك كان في الجلسات الخاصة وحين يُطلب منه الاهتمام إلى تحركاته كان يقول "ان رفيق الحريري استشهد لأجل لبنان، فلماذا نخاف"؟. في كل الجلسات العامة والخاصة كان يتحدث دائماً عن الشهيدين الحريري وباسل فليحان كأنه يريد إبقاء صورتهما أمامه. وهو يدرك أن الوقت الذي يمر قبل محاكمة "المجرم" هو فقط للشهادة. وهذا ما حصل.

مع اغتيال عيدو في ذلك اليوم، كانت تكتمل سلسلة الاغتيالات لتبديل معادلة الأكثرية النيابية ومنع انتخاب رئيس للجمهورية تختاره الأكثرية أي 14 آذار وكذلك كان سبقه اغتيال الوزير الشاب بيار الجميل في محاولة لفرط الحكومة عبر إنقاص وزير منها واستقالة خمسة وزراء من المعارضة. ومحاولات أخرى لجر البلد إلى حروب عبر قتل "الزيادين" وما سبقها من أيام سوداء بحرق الاطر والهجوم على منطقة الجامعة العربية وفتح الاعتصام في وسط بيروت الذي دمر الحياة الاقتصادية للبلد بكامله. تلك الهجمة التي أتت في الوقت الذي حوّل مجلس الأمن ملف المحكمة إلى الحكومة اللبنانية، أظهرت ترابط الاجرام المنظم مع كل خطوة يحاول فيها اللبنانيون حماية أنفسهم عبر القانون والقضاء الدوليين.

قبل اتفاق الدوحة كان الاغتيال ومنه اغتيال عيدو هو المقرر في تبديل وجهة الاكثرية والاقلية النيابية، ولكن بعد السابع من أيار، وتحول السلاح "المقاوم" إلى شرطي قمع داخلي، تغيرت المعادلة، واستطاع "الانقلابيون" أن يُسقطوا حكومة الوحدة الوطنية ويعيّنوا رئيساً للحكومة بالتهويل بالسلاح عبر مجموعات "القمصان السود"، فصار السلاح والتهديد به بديلاً من العبوة الناسفة، ولكن على زمن محدود.

أتى اغتيال وليد عيدو في تلك المرحلة كجزء من محاولات "مجرم" دمشق منع إنشاء المحكمة بعد سلسلة الاغتيالات التي بدأت مع محاولة قتل مروان حمادة بعبوة ناسفة. فالقاتل يدرك جيداً أن أي محاكمة ستظهر وبوضوح مدى ارتباطه بالجرائم كلها.

باغتيال عيدو، خسرت بيروت نائباً بارزاً من نوابها، خسرت في مواجهة النظام السوري أبرز المناضلين من أجل لبنان، سقطوا من أهل المدينة وسكانها، المدينة التي تقف كل مرة لترفع لواء الشهداء والحرية.
وليد عيدو شهيداً، الكلمة ليست غريبة عن المناضل الشجاع الذي أحب وطنه حتى سال دمه في التراب والتصق به كالعاشق. استشهد على خطى رفيق وباسل وسمير وجورج وجبران وبيار، وبعده انطوان وفرانسوا ووسام وشهداء 7 ايار وغيرهم الكثير من المواطنين الذين سقطوا برصاص الغدر والخطف، على خطى كثيرين من الناس الذين دفعوا الثمن كل يوم.

آخر ما قاله
سجل النائب الشهيد وليد عيدو آخر موقف له من على منبر المجلس النيابي في التاسع والعشرين من شهر أيار 2007، وهو اليوم الأخير من الاعتصام النيابي الأسبوعي الذي نفذته الأكثرية النيابية على مدى أحد عشر أسبوعا خلال العقد النيابي العادي للمجلس للمطالبة بفتح أبوابه وعقد جلسات نيابية عامة.

النائب عيدو تلا في ذلك اليوم بياناً باسم الأكثرية النيابية، قال فيه: "من المهم ان نقول ان نواب الاكثرية حاولوا تكراراً عقد جلسات نيابية للمجلس تطبيقاً للدستور وللنظام الداخلي، ولمواكبة الحياة الديموقراطية في لبنان، لكن هذه المؤسسة الام منعت كما يعرف اللبنانيون والعالم من عقد أي اجتماع لها، وتخلف دولة الرئيس بري عن الدعوة الى ذلك، بما يشكل منعاً وانتقاماً من وكالة النائب ودوره في الحياة الديموقراطية.

ان نواب الأكثرية يؤكدون ان منع انعقاد المجلس هو انتهاك للدستور نصاً وروحاً، ورئيس الجمهورية اطاح الدستور عندما لم يستجب لطلب الأكثرية النيابية بفتح دورة استثنائية طالبنا بها عند انتهاء العقد الثاني العادي السنة الماضية. وكذلك فدولة الرئيس بري لم يستجب لدعوتنا للمجلس الى الانعقاد بعد إحدى عشرة مطالبة بالاجتماع، كما لم يجعل عريضة فتح الدورة الاستثنائية تأخذ طريقها الدستوري.
نضع هذا الأمر أمام اللبنانيين والعالم ايضاحاً للواقع والحقيقة".

رفاق الدم

– المعاون فارس ديب، مواليد زغرتا استشهد في المنارة. ابنته الوحيدة تخاف غياب والدها المبكر: كان في الخامسة والثلاثين. سجله ناصع. مندفع. تحمل ساحة بلدته علما اسمه الذي رفعته عالياً. ما زالت صورته تزيّن منزله كأنه ذهب في رحلة وسيعود.

– العريف سعيد شومان، مواليد بيروت عمره واحد وعشرون عاماً. عازب، صغيراً عاش وصغيراً مات.
– المحامي غسان داوود في عقده الثالث. كان بصدد تقديم أطروحته في القانون الدولي، غادر مسبح الـ"سبورتينغ" لحظة الانفجار. جاء من بلدة الخيام الى محلة رأس بيروت. عاشق للبحر، للحياة، للعلم. انتظرت عائلته تحليل الحمض النووي لأشلاء الجثث للتعرف الى جثته. كان بقي منها القليل.

– لاعب نادي النجمة حسين دقماق في الرابعة والثلاثين. من بلدة هونين في الجنوب، حلم بأن يكون بطلاً على أرض ملعب نادي النجمة. علّم ابنتيه نانسي وسيلين أن البطولة تستأهل التضحية.
– اللاعب حسين نعيم، مهاجم من الطراز الأول في نادي النجمة أيضاً. من بلدة سلعا الجنوبية، عازب.
– فوزية حسن مرسي محمد، من مصر واستشهدت في المنارة.

Exit mobile version