طغت الهموم الأمنية والخلافات السياسية والتدهور اليومي في الداخل وفي المنطقة، لا سيما في سوريا، على ما عداها من الأمور الحياتية والمعيشية. هذا ما جعل المواطن يقدم خوفه الأمني من التطورات، من دون الالتفات إلى تردي الخدمات وفي مقدمتها قضية الكهرباء الأكثر إرهاقاً للناس والقطاعات، من حيث الكلفة والضرر على أساس أن معادلة ارتفاع التقنين يساوي ارتفاع أعباء المعيشة واشتراكات المولدات، التي تستفيد أصلاً من كهرباء الدولة وتبيع إنتاج المعامل وتحاسب على تعرفة أخرى.
ويأتي تناول قضية الكهرباء اليوم لعدة أسباب، لا سيما النتائج السيئة على المواطن والاقتصاد والمعيشة، أولاً لعلاقتها بحوالي 1,3 مليون مشترك يدفعون للمؤسسة أكثر من 950 مليار ليرة سنوياً، بدل خدمة لا يحصلون عليها كما يجب. ذلك على الرغم من الهدر المالي والسرقات على الشبكات الذي يحرم الخزينة من حوالي 300 مليون دولار في حال تعززت الجباية وتوقف الهدر على كل المستويات وخطوط التوترات العالية والمنخفضة، والذي يزداد كلما زادت التوترات السياسية والأمنية نتيجة ارتفاع منسوب الفوضى وغياب الدولة.
السؤال البديهي اليوم، ما هو وضع الكهرباء وأزمتها الحالية؟ وكيف سيكون الوضع في صيف العام 2012 وحتى في شتائه؟ الجواب الغريب هنا هو أن الأزمة تتفاقم، فيما تغيب الاحتجاجات التي كانت تغزو الشوارع في كل المناطق والأزقة في ظروف كانت أفضل بكثير مما هي عليه الآن، من حيث ساعات التغذية والخدمات.
السؤال الآخر هو أين أصبحت قرارات تحسين الإنتاج من البواخر إلى المعامل والبوارج والمجموعات والمعامل الجديدة على الأرض أو في البحر؟
1- الجواب بسيط جداً وهو زيادة التقنين لتخفيف عجز الخزينة. أما المشكلة فمعقدة لأسباب سياسية ومالية، نتيجة الاستمرار في تعطيل الموازنات العامة من جهة، وتأخير المباشرة بالخطة الإصلاحية القديمة المتجددة، والانصراف إلى المعالجات الخطابية والانجازات الوهمية، في ظل تبادل الاتهامات وتزايد عناصر عدم الثقة وغياب الشفافية بين أهل السلطة.
2- الجواب الثاني البسيط أيضاً أن ساعات التقنين تصل في بعض أو أكثر المناطق اللبنانية الى أكثر من 12 إلى 16 ساعة يومياً. في حين كانت الاحتجاجات تكبر مع فترات تقنين أقل وأسعار اشتراكات للمولدات ارخص من الآن. أما سبب سكوت الناس فلا احد يعرفه باستثناء قلة من السياسيين والمرجعيات التي تحرك العالم لمناسبات ولمطالب أقل من ذلك بكثير. والحجة اليوم هي التخوف من الظروف الأمنية والسياسية.
3- أما أسباب زيادة التقنين من الناحية الفنية فتعود الى وضعية الإنتاج في المعامل التي تردت كثيراً عما كانت عليه قبل أشهر نتيجة أعمال الصيانة وتوقيف بعض المجموعات في أكثر المعامل للصيانات الدورية تلافياً للكوارث الأكبر، التي سنشهدها في موسمي الصيف الحالي والشتاء المقبل.
تبلغ الطاقة الإنتاجية اليوم حوالي 1300 ميغاوات، مع توقف مجموعتين في كل من معمل الذوق ومعمل الجية، بينما الحاجة في فصل الصيف إلى أكثر من 2450 ميغاوات، وتصل الحاجة أحياناً عند الذروة إلى 2600 ميغاوات، حسب بيانات الكهرباء للعام الماضي، أي أن الطاقة المنتجة حالياً لا تشكل 50 في المئة من الحاجة المطلوبة، ما لم تحصل اية أعطال جديدة من الآن وحتى انتهاء الصيانة. ويعني تراجع الكمية المنتجة مع تزايد الحاجة الاستهلاكية زيادة ساعات التقنين.
4ـ يضاف إلى ذلك عنصر توقف استجرار الطاقة من مصر وسوريا، نتيجة الظروف الأمنية الإقليمية، حيث كان لبنان يستجر حوالي 130 ميغا من سوريا ومثلها من مصر بمعدل 200 ميغاوات تقريباً، الا انها توقفت بصورة تامة منذ أشهر، وهذه الكميات كانت تتوقف عادة في شهري كانون الثاني وشباط وأحياناً اعتباراً من شهر كانون الأول من كل سنة لتشابه الأحوال الجوية، كذلك كانت تتوقف خلال بعض فترات الصيف.
5- أما من الناحية المالية، وهو حديث يتكرر مع كل تناول للكهرباء ومشاكلها، فيمكن القول إن عجز «مؤسسة كهرباء لبنان» حسب موازنتها والموازنة العامة للعام 2012 سيكون بحدود 3000 مليار ليرة، وهذه تقديرات بنيت على أسعار 110 دولارات لبرميل النفط. وكل زيادة دولار على برميل النفط تكلف الكهرباء 15 مليون دولار عجزاً إضافياً. مع التذكير أيضاً أن تعرفة الكهرباء موضوعة على سعر 25 دولاراً لبرميل النفط منذ الثمانينيات، وهو أمر يحتاج إلى قرار سياسي لتعديل التعرفة، طبعاً بعد تأمين الكهرباء لمدة 24 إلى 24 ساعة يومياً، بما يوفر كلفة المولدات على المشتركين الذين يتحملون الاعباء المتزايدة في ظل الغلاء وتراجع القيمة الشرائية للمداخيل.
هذا الواقع يجعل من مصلحة «كهرباء لبنان» ألّا تزيد ساعات التغذية وكميات الإنتاج لكي توفر من عجزها نتيجة فوارق الكلفة من جهة، وتخفيف مشتريات النفط والفاتورة النفطية من جهة ثانية. وهذا ما يحصل فعلاً عن قصد أو عن غير قصد.
6- كان ينقص الكهرباء أزمة الجباة والمياومين وتلزيم الشركات الخاصة التوزيع والجباية، مما دفع العمال إلى إضراب للمطالبة بالتثبيت في المؤسسة. مع هذا الواقع توقفت جباية الفواتير منذ أشهر نتيجة الإضراب، فتراكمت المبالغ على الناس الذين سيجدون فواتير مضاعفة خلال الفترة المقبلة، تقارب قيمتها قيمة الأقساط المدرسية وعلى أبواب شهر رمضان، وهو شهر المصروف الأكبر على ما هو معروف، حيث ترتفع أسعار اللحوم والخضار والحلويات بصورة تقليدية.
7- أما السؤال الأخير فيتعلق بالحلول ومنها موضوع استئجار البواخر الذي انجزت اللجنة الوزارية تقريرها حوله بعد شروط مالية متبادلة، انتهت الى فض المالية شروطها بالحصول على الكفالة المصرفية من الشركة التركية لقاء دفع مبلغ مسبق بقيمة 25 في المئة من الالتزام. تضاف إلى ذلك الشروط الخاصة بفتح اعتماد لفترة سنة سلفاً ومطالبة الشركة التركية ايضاً بإعفاء من الرسوم والضرائب خلال فترة عملها وهو أمر رفضته المالية. التقرير أصبح لدى الحكومة. لكن لا بد من القول إن البواخر وغيرها تحل جزءاً بسيطاً من المشكلة، على اعتبار أن لبنان يحتاج فوراً إلى أكثر من 1000 ميغاوات لتلبية الحاجة العادية، من دون الأخذ في الاعتبار النمو المطّرد لحاجة الاستهلاك وتزايد الأبنية والسكان والمؤسسات.
في الخلاصة تتجلى الغرابة في من يسألون عن الكهرباء والتردي في الخدمات ومن ثم يطرحون سؤال أين الدولة؟ وهم يكونون في السلطة السياسية والحكومية والنيابية معاً. هذا يجعل المواطن هو المسؤول عن إزعاج المسوؤلين، الذين يبادرون فوراً إلى مصادرة حتى شرف الشكوى أو المطالبة أو المراجعة. فماذا ينتظر المواطن أكثر من هذا التردي والتوتر وحال عدم الاستقرار ليصرخ ولو بصوت منخفض؟
فهل استحضار موضوع البواخر للذهاب بما تبقى من كهرباء في لبنان، وليس لتأمين بعض الكهرباء؟ هذا ما يبدو حتى الآن.
