#dfp #adsense

عذراً لم أقتنع… فالحوار يحمي البلاد والعباد

حجم الخط

كتب دافيد عيسى في صحيفة "البلد":

إنجاز في حد ذاته انعقاد طاولة الحوار الوطني في قصر بعبدا بعد طول انقطاع وبعدما كان الأمر صعباً ومشكوكاً بحصوله. وهذا المشهد السياسي الذي تمناه معظم اللبنانيين ما كان ليتحقق لولا شجاعة وجهود رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال سليمان ومثابرته، خصوصاً ان الحوار يساهم إلى حد بعيد في خفض وامتصاص التوتر السياسي والأمني والنفسي الذي يجتاح البلاد ويخرج الصراع من الشارع ويعيده إلى مكانه الصحيح وإلى إطاره السياسي.

لكن لا يكفي أن تلتئم جلسة الحوار وأن يكتمل العقد والنصاب حتى تستقيم الأمور وتتبدد المخاطر والهواجس، وإنما يجب تغيير النمط السابق لجلسات الحوار الذي كان أقرب إلى "حوار للحوار" و "حوار للصورة " حتى لا نقول "حوار طرشان" وكان يتضمن الكثير من "الترف السياسي" والقليل من الجدية، إلى درجة أنه لم يعد له في نظر الرأي العام اللبناني مصداقية ولم يعد محط الآمال وإنما تحوّل إلى وسيلة من وسائل تقطيع الوقت عبر حوار متقطع وجولات متباعدة زمنياً وغير مترابطة منهجياً وهذا الوضع تحديداً جعل ربما الدكتور سمير جعجع يتحفظ على المشاركة في هكذا حوار عقيم…

من هنا يجب علينا القول ان هذا النمط من الحوار لم يعد صالحاً ولا متناسباً مع طبيعة وخطورة ودقة المرحلة والظروف التي تفرض حواراً يكون من اجل مصلحة اللبنانيين وحفاظاً على دمائهم وارزاقهم وعائلاتهم ، حواراً دائماً ومتواصلاً، حواراً جدياً وهادفاً، حتى الوصول إلى نتائج وحلول وقرارات وتفاهم، وإذا كانت إقامة أركان واقطاب الحوار في قصر بعبدا لأيام متتالية تساعد في خلق بيئة ملائمة للتفاهم وفي تحسين المناخات والاستعدادات وتخفيف خطر التنقل على قادة الصف الاول المعرضين للخطر فليكن، وليفرض رئيس الجمهورية "الاقامة الجبرية" على هؤلاء المتحاورين ويعلمهم انهم باقون في ضيافته وعهدته إلى حين الوصول إلى اتفاق، ومن المؤكد ان ذلك سيلقى كل دعم وتشجيع من الشعب اللبناني بأكمله، واذا لزم الامر يتوجه معظم اللبنانيين مسلمين ومسيحيين 8 و 14 آذار إلى قصر بعبدا ويغلقون كل مداخله ومخارجه ويمنعون هؤلاء المجتمعين من الخروج قبل الاتفاق في ما بينهم على تجنيب لبنان الكأس المرة وتجنيب ابنائه الدماء والدموع.

ان الظروف الحالية التي ينعقد الحوار في ظلها مختلفة تماماً عن الظروف السابقة، والوضع العام برمته وعلى كل المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية دخل دائرة الخطر ولم يعد يحتمل الانتظار والتأجيل. في الجولات السابقة للحوار لم يكن هناك "ربيع عربي" ولا تحولات جذرية في المنطقة، ولا أحداث مأسوية في سورية ولا حدود لبنانية – سورية مضطربة ومتفلتة، ولم يكن شبح الفتنة الطائفية جاثماً على الارض اللبنانية انطلاقاً من طرابلس وعكار والشمال وعرسال وغيرها، ولم يكن الامن مهدداً ومنتهكاً في أكثر من منطقة، ولم يكن الجيش اللبناني يواجه تحديات وتهجمات ومحاولات لتعطيل دوره، ولم تكن الدولة مشلولة ومعطلة والدورة الاقتصادية في تباطؤ وتراجع، والسياحة معدومة ودول القريب والبعيد تمنع رعاياها من المجيء إلى لبنان والأمن الاجتماعي والاقتصادي للمواطنين مفقوداً… والأهم من كل ذلك ان الانقسام السياسي لم يكن وحتى في أحلك الظروف واصعبها أي منذ العام 2005 وحتى قبل حوالى السنة من اليوم مهدداً الوحدة والعيش المشترك والسلم الاهلي كما هي الحال اليوم.

لم يكن من سبيل لمواجهة هذا الانحدار لا بل الانهيار المريع إلا عن طريق الحوار الوطني وجمع القيادات اللبنانية المتنازعة على طاولة واحدة، خصوصاً بعدما تجاوزت الاحداث والتطورات قدرة الحكومة على الاستيعاب والتصريف… وأنه سيكون من الصعب جداً على أي طرف مقاطعة الحوار والتعاطي بخلفية سياسية ضيقة ومعاكسة موقف دولي وعربي ولبناني مساند للحوار ومشجع على حصوله. فلبنان ليس أولوية على الاجندة الدولية والعربية وكل الانظار والاهتمامات تتجه إلى سورية بانتظار ما ستؤول إليه الاوضاع هناك في ظل أخطر مرحلة يمر بها هذا البلد في تاريخه الحديث ما يفرض تجميد الوضع في لبنان والمحافظة على استقراره وتأمين وضعية انتظار مريح و "على البارد" بدل ان يكون الانتظار دموياً ومكلفاً وساخناً… واللبنانيون الذين تعبوا وملّوا و"قرفوا" بعض السياسيين ومناوراتهم والاعيبهم واحقادهم واستعدادهم لحرق البلاد ومن فيها من اجل مصالحهم الخاصة والشخصية، ما عادت طموحاتهم كبيرة وما عاد سقف توقعاتهم عالياً وإنما باتوا متواضعين وواقعيين في مطالبهم وتوقعاتهم. هم أولاً لا يريدون للحوار ان يفشل وينهار لأن النتائج ستكون وخيمة ، لذلك من الافضل اطالة أمد الحوار وبقاء السياسيين اسبوعين وثلاثة وأربعة في بعبدا حتى الاتفاق.

واذا كان الشيء بالشيء يذكر فانني أسأل لماذا يستطيع هؤلاء السياسيون البقاء شهراً أو أكثر في الدوحة والطائف وفرنسا وهم يرفضون حتى مبدأ الحوار في لبنان وهذا سؤال أكرره وأضعه برسم اللبنانيين؟
وكذلك على قادة الصف الأول الاساسيين ان يعرفوا بأنهم "أم الصبي" وبأن أمن البلاد والعباد أمانة في اعناقهم لذلك عليهم تحديد اهداف واقعية قابلة للتطبيق خلال الحوار لا توصل إلى نتائج عكسية لما هو مرتجى ومأمول منها ولذلك يجب التخلي عن الشعارات الطنانة والاهداف الكبيرة و "الفارغة" والاكتفاء بمعالجة ما ينطبق عليه صفة "العاجل والطارئ والملح" وتقديم الأهم على المهم والإنصات إلى ما يطلبه اللبنانيون على اختلاف فئاتهم وميولهم وطوائفهم وقد باتوا متساوين وموحدين في الفقر والعوز والقلق والخوف على أمنهم ومستقبلهم ومستقبل عائلاتهم…

إن ما يريده اللبنانيون بكل بساطة هو "الاستقرار" وتهدئة الاوضاع الساخنة وإطفاء البؤر الامنية المشتعلة وتأمين مقومات حياة ودورة إنتاج طبيعية وإنقاذ الموسم السياحي قبل فوات الأوان وبعدها فلتطرح كل المواضيع السياسية الخلافية ضمن غرفة مغلقة وبذلك نكون قد نقلنا هذا التشنج من الشارع ووضعناه على طاولة لبحثه بموضوعية وواقعية ويكون الناس مطمئنين إلى تمضية صيف هادئ ، هذا هو الحد الأدنى الذي يجب ان يحققه المتحاورون ويعملوا عليه، والذي يجب ان يترجم على أرض الواقع وهو يتمثل بنزع فتيل الانفجار ونزع الذرائع من يد كل الاطراف المتواجدة في الشارع… هذا هو الهدف المباشر وقصير المدى للحوار الذي يجب تحقيقه بكل الوسائل والإمكانات لأن الفشل على هذا المستوى ستكون نتائجه كارثية… وإذا نجحت الانطلاقة وتحقق الهدف الاول والمباشر، يمكن الانتقال إلى هدف آخر على المدى المتوسط من شأنه ان يكسب الوضع حصانة ومناعة أقوى، وهو يتعلق بتفاهمات على الترتيبات السياسية التي تحكم المرحلة الانتقالية الفاصلة عن موعد الانتخابات وكيفية إدارة هذه المرحلة للوصول إلى محطة الانتخابات التي يتفق الجميع على الاحتكام إليها وعلى انها ستكون محطة أساسية ومفصلية، والتركيز هنا يجب ان ينصب على مسألتين أساسيتين:

– الاولى: تهيئة الظروف لانتخابات ناجحة ديمقراطية وسليمة وتوفير كل الشروط والمقومات لتحقيق هذا الهدف. ومن الطبيعي ان يكون الاهتمام منصباً من جهة على قانون الانتخابات الذي يؤمن التمثيل الشعبي الصحيح ومن جهة ثانية على التوازن الوطني على المستويين السياسي والطائفي… وهنا من الموضوعية بمكان ان يجري البحث عن حكومة حيادية وغير سياسية لمهمة محددة هي الانتخابات لأنه لا يمكن للوضع أن يستقيم مع الحكومة الحالية ، حكومة اللون السياسي الواحد، لأن بقاءها في السلطة حتى موعد الانتخابات واشرافها على هذه العملية سيضع نقاط استفهام على الانتخابات وسَيُشكَك بنزاهتها ويطعن بنتائجها من قبل فريق سياسي لبناني كبير.

– المسألة الثانية: هي مسألة فك الارتباط بين الوضع اللبناني والازمة السورية وإقفال المسارب والثغرات التي تتسرب منها الاحداث السورية إلى الداخل اللبناني عبر حدوده الشمالية بنوع خاص. فإذا كان مسار الوضع في لبنان ومصيره مرتبطين بما ستؤول إليه التطورات في سورية ، وإذا كان لبنان محكوماً بفترة انتظار قد تطول أو تقصر تبعاً للتطورات والمفاجآت في سورية، فإن من مصلحته تنفيذ إعادة تموضع وإرساء وضعية انتظار هادئ ومريح بدل التورط في رهانات ومغامرات وعملية خلط اوراق وسط ظرف إقليمي ضبابي وحساس للغاية. وأول ما يجب فعله هو إقفال الحدود السورية – اللبنانية الشمالية بالمعنى السياسي والأمني للكلمة، بحيث لا تبقى سبباً لتوترات واحتكاكات ولا ممراً لعمليات تسلل وتهريب في الاتجاهين…

هذه الحدود الشمالية التي تشكل في هذه الفترة وحتى إشعار آخر مصدر الخطر والمشاكل والتوترات داخل لبنان وتنعكس بشكل مباشر على الاوضاع في لبنان وما احداث طرابلس الاخيرة وكل تفرعاتها على كل الاراضي اللبنانية إلا نموذج حسي على مدى خطورة هذا الانعكاس على الداخل اللبناني. فالأكثر إلحاحاً اليوم هو إقفال الحدود الشمالية عبر انتشار واسع وفاعل للجيش اللبناني حتى لا نصل إلى وضع يصبح فيه "تدويل الحدود الشمالية" أمراً واقعاً. لكن انتشار الجيش لضبط الحدود وحفظ الأمن يستدعي تجديد التفويض المعطى له وتوفير غطاء وطني وسياسي لمهمته. وهذا ما لا تستطيع الحكومة الحالية ان تفعله ، ولا يمكن تحقيقه إلا عن طريق هيئة الحوار وتحت مظلة الوفاق الوطني.

المصدر:
صدى البلد

خبر عاجل