كتبت كارلا خطار في "المستقبل":
مطار رفيق الحريري الدولي "بلا ناس ما بينداس"..، "ترعد" جدرانه بصيحات التهديد والوعيد. تبخّر 6 ملايين مسافر.. اختفى المنتظرون خلف الأشرطة الحمراء.. المطاعم فارغة من الزبائن، الموظفون منشغلون بأمورهم الخاصة. بالكاد يقصده لبنانيون لاستقبال ذويهم أتوا الى لبنان "لحالات طارئة"، تقول أم سلام، التي تنتظر ابنها: "ضيعان هالمطار.. وين العالم ووين العجقة والضجة؟؟".
"ابني تغرّب ومش قادر يزورنا.." تقول أم جاد ولا تنفكّ تلعن الغربة لكنها تعود وتتذكر أن الغربة ليست هي المشكلة إنما الوضع في لبنان. وتخبر أن جاد الذي يعمل في موقع حساس في الدولة البريطانية، رفضت الأخيرة السماح له بأن يمضي إجازته هذه السنة مع أهله نظراً الى أن لبنان يشهد الأزمة الأخطر منذ انتهاء الحرب الأهلية. وتخبر أم جاد أن ابنها وفيّ لوطنه، لكن الأوضاع هنا لا تبشّر بالخير.. ثم تعقّب "ربما البريطانيون على حقّ.." من دون أن تخفي أسفها على أن "الحكومة اللبنانية لا تهتمّ بسلامة مواطنيها، لا بل تدعو الجميع الى زيارة لبنان".
أبناء الوطن من المغتربين الأعزاء.. هل اشتقتم الى وطنكم الأم؟ هل أنتم متشوقون للقاء عائلاتكم؟ بسيطة اقتنوا طائرة خاصة حتى تكون تحت تصرفكم وإلا ستكون حالكم مثل ريما التي تعمل في إمارة دبي العربية المجاورة التي حذرت رعاياها من التوجه الى لبنان. إلا أنها أضاعت أسبوعاً كاملاً بانتظار طائرة متوجهة الى لبنان. تقول "شعرت بالخوف وأعتقد بأن المجيء الى لبنان في مثل هذه الظروف هو ضرب من الجنون". هذا أيضاً ما جرى مع سليم الذي يعمل في قطر. فحين قرر المجيء تأكد له أن الرحلات الى لبنان يتم تأجيلها نظراً الى أن الكل متخوّف من زيارة لبنان حتى لا يكون مصيره السرقة أم القتل أم الاختطاف.. ويقول ممازحاً "قد يعترض أحد المسلحين طائرتنا في الجوّ ويحتجزنا".
إنها حال المواطنين اللبنانيين فكيف ستكون حال السياح العرب والأجانب الذي لم يعتادوا معايشة مثل هذه الظروف.. تقول جوستين الفرنسية بأن صديقتها اللبنانية "لا تجرؤ على المجيء الى لبنان خوفاً من إغلاق طريق المطار وإشعال الإطارات كما أنها تتخوف من شنّ حروب الشوارع.." وتعقّب "هل سأذهب الى لبنان لأموت أو أحتجز أو أختطف هناك!" وتتذكر جوستين أنها أتت الى لبنان منذ سنتين وكان المطار يعجّ بالواصلين من مختلف الجنسيات، وكأنه ملتقى الحضارات، وتساءلت "هل بإمكان الحكومة اللبنانية أن تضمن سلامة السياح على أراضيها؟".
في ظل كل هذه الأزمة التي لا تعيرها الحكومة أي أهمية، إنما تطمئن الى أن الوضع بخير.. تجهد الوزارات في نقل صورة مزيفة عن لبنان. بداية مع وزارة الطاقة وإعلان Lebanon,off.. هذا والسياح يحتجزون داخل المصاعد تلي وزارة الطاقة في الإعلانات الخلاقة، وزارة السياحة التي تظهر في إعلاناتها صبايا وشباب لبنان والبحر والجبل وحانات السهر وشوارع السمر.. تتذكر هنا راشيل المواطنة اللبنانية- الكندية أن أقل من ساعة تفصل ما بين بحر لبنان وجبله، حنّن وزير السياحة قلبها فقررت المجيء.. ويا لصدمتها حين طالعها على شاشتها الصغيرة خبر عاجل ينبئ بأن "قنبلة ألقيت في باب التبانة في طرابلس".. وتذكرت أيضاً بأن والدتها لطالما رددت على مسمعها "الله يعطيكي أيام حلوة"، غير أن الأيام الحلوة في لبنان مفقودة..
حكومة السلاح وضعت لبنان على "اللائحة السوداء". دول نأت بنفسها وبرعاياها عن السياحة في لبنان. مطار تحوّل من محجّ عالمي الى عنصر إعلاني. وبعد كل هذا، هل من المستغرب أن تمنع الدول رعاياها من المجيء الى لبنان؟ وهل يسوح المغترب في عاصمة الشمال طرابلس ليأكل الحلويات العربية الشهيرة وسط خوف من الفتنة؟ وهل يزور السائح مربعات بيروت الأمنية؟ أم يتعرف الى سهول البقاع حيث يفترس الوحش السوري المواطنين الآمنين فيما الحكومة "نائية بنفسها"؟
لبنان أجمل "من بعيد لبعيد".. هكذا هو في عيون كل من يحبّه.. المغتربون اللبنانيون والسياح من أماكن تواجدهم خارجه يطبقون شعار "إبعد عن لبنان وغنيلو.." مع حسرة في قلوبهم وحرقة على لقاء الأحباء.. من سفيرة لبنان الى النجوم "زوروني كل سنة مرة"، صرخة يرددها كل اللبنانيين والمغتربين والسياح "نريد الأمان".. فيما حكومة السلاح المقدس تنشد على ليلاها "أمان أمان أمان..".
والشيء بالشيء يُذكر، يبدو أن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يعيش حال انفصام سياسي.. وسياحي أيضاً، ففي وقت تمعن حكومة الانقلاب في النأي عن لبنان ومصالح مواطنيه ومغتربيه ووافديه ويتمادى الراعي الحكومي "حزب الله" ومن على طاولة الحوار في التهديد والوعيد بنزهة الموت في الحرب الأهلية، يعقد اجتماعاً في السرايا أمس لبحث إنعاش الموسم السياحي خلال الصيف.
إنها السخرية الحكومية بامتياز، حكومة تُمارس "التقية" السياسية والسياحية، فهي من جهة توحي بأنها تشجع على السياحة، ومن جهة أخرى تنكشف بسعيها الى إفراغ لبنان وتطفيش سواحه تحت شعار "إبعد عن لبنان وغنيلو".