#dfp #adsense

“الجمهورية”: الاتّهامات الأميركية – الروسية حول سوريا مخيفة لأنّها صادقة

حجم الخط

كتب جورج شاهين في "الجمهورية":

لم يكن اعتراف وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون حفظ السلام إيرفيه لادسو بأنّ الوضع في سوريا وصل إلى حدّ الحرب الأهلية الشاملة، مجرّد تهويل أو موقف كيديّ من الرئيس السوري بشّار الأسد أو نظامه، بقدر ما اقترب ما يجري على الساحة السورية من هذا التوصيف الدولي. فماذا يعني هذا الكلام؟

تقول تقارير ديبلوماسية وصلت من الأمم المتحدة وعواصم أخرى إلى بيروت، أنّ موقف الديبلوماسي الأممي جاء متأنّياً بعدما اختار العبارات القانونية والدولية المتعارف عليها، عقب سلسلة اجتماعات خُصّصت للبحث في التجديد لقوات حفظ السلام وفريق المراقبين الدوليين العاملة منذ العام 1973على الحدود السورية – الإسرائيلية، وتلك التي ناقشت الوضع في سوريا من جوانبه المختلفة استناداً إلى تقارير كثيرة أرسلتها بعثة المراقبين الدوليين من دمشق، التي دخلت مهمتها مرحلة الثلث الأخير.

وتضيف التقارير التي عُمّمت على كبار القادة الأمنيين اللبنانيين أنّ هذا الموقف – القرار الأممي، له معانٍ ودلالات كبيرة ومتشعّبة وخصوصاً أنّه جاء نتيجة قراءة متأنّية لمجموعة تقارير وصلت إلى المراجع الدولية، وهي على جانب كبير من الخطورة، عندما أضفت الطابع المذهبي على سلسلة المجازر التي ارتكبت أخيراً في سوريا، وتحدّثت نتائجها عمّا يشبه التطهير المذهبي، فمعظمها استهدف مناطق وقرى سورية سنّية في محيط علوي، أو مناطق علوية في محيط سنّي.

إلامَ استندت التحذيرات؟

وعلى هذه الخلفيّات، التي باتت في أذهان المسؤولين الدوليين ولدى عواصم القرار، بُنيت المواقف الأخيرة التي بدأت تتطوّر من مرحلة الحصار الديبلوماسي إلى مرحلة الإجراءات التي تليها، وسط نقاش عميق ما زال قائماً بين مُعسكرَي روسيا والصين من جهة، وبقيّة الدول الأعضاء في مجلس الأمن. فنشأ السباق القائم بين السعي الروسي إلى تشكيل مجموعة الاتصال الخاصة بسوريا، وباريس التي تعمل على عقد مؤتمر أصدقاء سوريا بعد اعتراف وزارة خارجيتها بأنّها وجّهت الدعوات إلى 140 دولة. وممّا زاد الطين بلّة أنّ واشنطن وموسكو بدأتا حرباً إعلامية وديبلوماسية قاسية تبادلتا خلالها الاتهامات، فاتّهمت الأولى بتزويد السلطة مروحيّات متطوّرة وردّت الثانية باتّهامها بتسليح المعارضة.

إتّهامات "صادقة"

وفي الحالتين، تقول المصادر إنّ المخاوف تعاظمت لأنّ الطرفين يتبادلان اتّهامات صحيحة وفق معلومات دقيقة لدى كلّ منهما. فالأولى تعرف أنّ سلاح الجوّ السوري تسلّم 24 طائرة مروحية متطوّرة للغاية بدأ يستخدمها في العمليات العسكرية في الأيام القليلة الماضية سمحت بحسم الكثير من المواجهات بأقلّ كلفة ممكنة. كما حصل في بلدة الحفة في وسط محافظة اللاذقية التي تمّ "تحريرها" من الثوّار في أقلّ من أربعة أيام، وهو أمر لم يحصل من قبل لا في بابا عمرو في حمص ولا في أيّ مكان آخر. وكذلك بدأ الجيش السوري الحر باستخدام أسلحة متطوّرة ودقيقة منذ أيّام، بلغت مرحلة توجيه ضربات موجعة إلى مواقع ومراكز القرار لدى النظام، وقد شكّل استهداف إحدى القواعد الجوّية، ومقرّ رئاسة الحكومة في كفرسوسة في قلب دمشق نموذجاً خطيراً لقدرات الثوّار التي لم تكن متوافرة لديهم من قبل.

وبالاستناد إلى ما تقدّم، تقول مراجع لبنانية واسعة الاطّلاع إنّ التحذيرات الدولية التي تلقّاها لبنان في الأيّام الأخيرة، والمواقف المعلنة فرنسياً وبريطانياً وأميركياً من طاولة الحوار الوطني شكّلت رسائل تحذير مباشرة الى كلّ من يعنيه الأمر في لبنان. وهي تقول إنّ تطوّر الصراع في سوريا في الاتّجاه المأساوي الخطير يفرض على اللبنانيين الكثير من اليقظة والتحرّك الفوري لسدّ الثغرات التي يمكن أن تتسلل منها نتائجها السلبية على المنطقة ودول الجوار تحديداً، لحماية بلدهم من الأخطار المترتّبة على أيّ تطوّر دراماتيكي بات متوقّعاً في سوريا ويمكن أن يستدرج الساحة اللبنانية الى انعكاساته الخطيرة.

لبنان لا يستخفّ!

واللافت أنّ لبنان لم يستخفّ بهذه التحذيرات، بل أخذ بها على محمل الجد. فإلى الضغوط التي مورست لبدء الحوار بين اللبنانيّين في مثل هذه الظروف، بدأت المراجع الأمنية سلسلة من التدابير غير المرئية حتى اليوم لحماية المؤسّسات والمواقع الحسّاسة ورفعت من نسبة الاستنفار في الكثير منها تحوّطاً لأيّ طارئ.

وتعترف المراجع المعنية، بأنّ أخطر ما في الأمر، أنّ الكباش الدولي الذي بلغ الذروة لن تكون له انعكاسات واضحة وفورية على الأرض في ظلّ ميزان القوى الحالي. فالجهود التي تُبذل وصلت إلى ما يقارب الذروة في الصراع، ومن المخيف أن تتحوّل كلّ الملفّات بأحجامها المختلفة أوراق مفاوضات على الطاولات السرّية ليستعرض عليها كلّ جانب منهما أوراق القوّة التي لديه من دون أيّ قدرة على التكهّن بما ستحمله الأيام المقبلة.

سباق محموم على الأرض

فكلّ الترجيحات تتحدّث عن مخاوف غامضة ليس من السهل استكشافها أو تقديرها، حتى تستوي المفاوضات على صيغة قابلة للتنفيذ. وإلى تلك اللحظة، يعترف الجميع بأنّ باب المفاجآت مفتوح على مصراعيه، ولن يكون مستغرباً أن يستخدم الطرفان ما لديهما من أسلحة سياسية وديبلوماسية واقتصادية وعسكرية ومخابراتية في سباق محموم بين سعي النظام إلى تكريس سيطرته على مزيد من الأراضي التي باتت خارجها وهي مشتتة في مختلف أنحاء البلاد، وسعي المعارضة إلى مكاسب في مناطق حسّاسة منها ما هو في العاصمة دمشق والمدن الكبرى الأخرى.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل