عندما يتقدم الكاتب المبدع امين معلوف اليوم ليجلس في المقعد الرقم 29 في الاكاديمية الفرنسية خلفاً لكلود ليفي – ستروس وسط احتفال مهيب يليق بالعظماء وحدهم، سيكون لمعنى لبنان المنسي وما يمثله من روح التسامح والانفتاح بعض من العزاء، وهو الذي يراوح منذ اعوام كثيرة عند حافة الغرائز والعصبيات والانغلاق الكاره والمكروه.
سيتقدم امين معلوف واضعاً على كتفيه رداء الاكاديمية الاخضر الذي تزينه لمسات لبنانية حيث تطل من الأزرار اغصان الزيتون وشجيرات ارز صغيرة، ليستقر مثل "صخرة طانيوس" في ذلك المقعد الذي لم يرتق اليه إلا المبدعون في بلاد تحترم العقل وتنحني للافكار النبيلة وتبشر بقيم من اجلها كان الانسان الذي في المقلب الآخر من الصورة يصنع الاحقاد والمآسي.
ولأنه كتب للتسامح في كل رواياته محاولاً العبور الى جوهر الانسان العاري من لفح رياح الصراعات، سيحمل سيف اكاديميته رموزاً تذكر بفضائل الحضارات وتفاعلها وبأن الجوهر في الانسان هو الانسان، قبل ان تأخذه اعماله او اعمال الآخرين الى امكنة تجافي الأنسنة. وهكذا على سيفه صورة ماريان رمز فرنسا الى جانب أرزتين على شكل ميداليتين ونحت يمثل خطف الاله زوس المتنكر بهيئة ثور للآلهة الفينيقية اوروبا، وهو ما يقول معلوف انه يرى فيه "رمزاً للعلاقات الضاربة في القدم بين الغرب والشرق" التي طالما شكلت المنهل الذي استقى منه العمق القيمي لرواياته.
سيتقدم امين معلوف مثل "ليون" اللبناني لا الافريقي الى المرتبة الأعلى، بعدما كان قد خرج من "النهار" عندما اطلقت الحرب البغيضة التي عرفناها جناحيه وافكاره والاقلام الى الفضاء الآخر الارحب، حيث سيكون التسامح دائماً محور ما سيكتبه. وهكذا كانت رواية "ليون الافريقي"، الرحالة والعالم والديبلوماسي "الحسن بن محمد الوزان" النبيل الاندلسي في الحقبة الاخيرة من حكم المسلمين للبلاد، الذي يهاجر الى المغرب ويرتحل الى شمال افريقيا ومصر ليختطفه قراصنة ايطاليون فيعيش في البلاط البابوي ويصير اسمه "ليون دي مويتشي" ويتزوج من يهودية اندلسية متنصّرة وينجب منها "يوسف" او "جوزف" او "جيوسبي" [ما الفرق؟] الذي يروي معلوف قصة حياته في سياق أخّاذ يصور ذلك العربي المسلم المتنصر ثم العائد الى الاسلام، كمثال بديع عن شخصية اسطورية مثالية تحلم بعالم افضل يقوم على الارتقاء.
وعندما يسارع رياض سلامة الى تكريم امين معلوف، باصدار ليرة لبنانية من الفضة الخالصة تحمل صورته، فان ذلك يؤكد انه يبقى هناك من لا يكتفي بالسهر على سلامة الوضع المالي عندنا، بل على سلامة التقدير وضرورة تكريم صخرة نزلت من "عين القبو" لتصير قلادة فكرية، تكرّم لبنان لا بل تشرّفه بجلوسها في مقعد الاكاديمية الفرنسية.
والسؤال: من جبران خليل جبران الى امين معلوف هل كان ليظهر الدخان من الشعلة لو بقيت هنا؟