حين يصف رئيس الحكومة شيئاً ما بأنه "مقدس"، فلا بد من أن هذا سيسترعي إنتباه جميع المواطنين كي يعرفوا ما هو هذا الشيء الجلل الذي يستدعي قول رئيس حكومتهم بأنه "مقدس"، لكن اذا قال ذلك الرئيس نجيب ميقاتي الذي يحسب كل كلمة يقولها ويقيسها ويزينها على كل وجوهها، فلا بد من الإعتقاد بأن هذا الشيء أكثر من "مقدس" لكن ميقاتي جعله مقدساً فقط منعاً للمغالاة والتطرف، فهو صاحب نظرية "الوسطية" التي ليست مع هذا ومع ذاك، بل هي بين هذا وذاك من الأفرقاء المتخاصمين والمفترقين، بحسب شرحه لنظريته تلك.
أما الشيء الذي إختاره الرئيس ميقاتي ليجعله "مقدساً"، فهو الشيء نفسه الذي يختلف اللبنانيون حول وجوده ودوره وأهدافه وعلاقته بالدولة والسلطة الشرعية وتأثيره على لبنان ككل، وهو "سلاح حزب الله". فصرّح في مقابلة لقناة "الميادين" بما حرفيته: "إن سلاح حزب الله مقدس بالنسبة لي لمواجهة العدو الإسرائيلي، وهو يشكل قلقاً لبعض اللبنانيين، ولكن نطمئن اللبنانيين أنه لن يكون ضدهم".
كيف لا وقد سبقه "حزب الله" إلى جعل المتهمين باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري أيقونات مقدّسة، فرد "التحية بأحسن منها" بأن قدس له سلاحه.
جعل الرئيس ميقاتي سلاح حزب الله "مقدساً"، واعترف انه يشكل قلقاً لبعض اللبنانيين، ثم قام بدور هو لا يقدر عليه، أي أنه طمأن هؤلاء اللبنانيين بأن هذا السلاح لن يوجه إليهم، وبعدما أنهى تطويبه للسلاح، وقال رأيه في ماهيته القدسية، ذهب الى طاولة الحوار حيث كان في انتظاره مجتمعون جاؤوا لنقاش سلاح حزب الله بما هو حديد وفولاذ وقرار سياسي من دون أن يخطر في بالهم أنهم سيناقشون قدسيته، فهذا أمر لا يعلم به إلا أولي الألباب والمتعمقون في أسرار القداسة والتقديس. وهذا رغم أنه يشارك في طاولة الحوار كرئيس للحكومة بالطبع لا كممثل لفئة من اللبنانيين لديها رأي في سلاح المقاومة، لأنه لو كان كذلك، لما وافقه من يمثلهم الرأي بالطبع، وهؤلاء جلّهم من ناخبي طرابلس.
إذاً لدى الرئيس ميقاتي الشيء "مقدس" وضده أيضاً، السلاح والناخبون، الوطن والميليشيا، "النأي بالنفس" والحزب الذي لا ينأى بنفسه، طاولة الحوار والمقابلة التلفزيونية. "المقدس" هو الشيء ونقيضه، أي "الوسطية" والطرف الآخر، الـ"مع" والضد. وهكذا تخرج طاولة الحوار بلا شيء، الزائد والناقص اذا إجتمعا صارا صفرا، وهكذا لا يبقى من كل ذلك الحوار سوى التصريح الصريح الوحيد والواضح الذي اعلن في يوم الحوار نفسه والذي لا مواربة فيه، وهو أن سلاح "حزب الله" "مقدس". وعدا ذلك هو "مسرحية" لبنانية فاشلة.
حسنا في كثير من الأحيان يقع "رجل الأعمال" في مطب السياسة، ولكن لو أعلن فصيل جديد في جنوب لبنان بأنه مسلح ويريد مقاومة إسرائيل، هل سيصبح سلاحه بالنسبة للرئيس ميقاتي مقدساً؟ ماذا لو جاءت تعليمة سياسية ما من مكان ما قرر بعدها "حزب الله" أن سلاحه ليس "مقدساً" بل هو خاضع للنقاش كأي موضوع يثير خلاف اللبنانيين، ما الذي سيفعله الرئيس ميقاتي، هل سيبقى واقفا وحيداً في وجه القداسة التي أسبغها على هذا السلاح؟
ماذا لو قرر "حزب الله" بسبب تغييرات سياسية إقليمية وحاجة بعض الدول لتنفيسات سياسية-عسكرية أن يقوم بعملية ضد جيش العدو الإسرائيلي، والذي ينتظر مثل هذه المناسبة بفارغ الصبر ليدمر لبنان على رؤوس أهله جميعا. ما الذي سيحل بالقداسة في هذه الحالة؟ هل يمكنها مواجهة غضب اللبنانيين حتى من مؤيدي "حزب الله" الذين عانوا الأمرين من الحروب الإسرائيلية آخرها في تموز 2006؟
لنأخذ الأمور الى أقصاها. ماذا لو أدت المتغيرات السياسية الجارية في المنطقة الى دفع "حزب الله" لإستخدام سلاحه مرة جديدة في الداخل اللبناني، من بيروت الى طرابلس، هل سيتمكن ميقاتي من الخروج مرة أخرى ليطمئن اللبنانيين القلقين، أو لينزع صفة "القداسة" عن السلاح؟
هناك أمور "مقدسة" فعلاً وهي الوطن أولاً وثم كل ما يجمع اللبنانيين حول هذا الوطن،هذا ما أراد اللبنانيون أن يقوموا به ويحققوه منذ صاروا مجتمعين مواطنين لهذا البلد. لكن يبدو أن الرئيس ميقاتي لا يستفيد من التاريخ ولا يتطلع كثيراً إلى المستقبل، بل ينظر الى الحاضر، وهذه غالبا ما تكون عقلية السياسي الذي يتصرف كرجل أعمال، ولكن هذه المرة ليس بالصفقات السياسية فقط بل وبتوزيع حصص "القداسة" على من يحتاجها.