كبّرت روسيا «الخسّة» جداً في رأس النظام المحتضر في سوريا، وليس لأن روسيا الحليف الصادق الصدوق بل لأنّ الأسعار المعروضة ثمناً لرأس النظام ليست مناسبة للدبّ التاجر، فهو يدرك جيداً أنه قد لا ينجح في استبدال موطئ قدمه في طرطوس بآخر مناسب لأن التجربة «سمك بالبحر» في حسابات السياسة، وهو يدرك جيداً أنّ خسارته أبعد بكثير من قاعدة أخيرة لروسيا في الشرق الأوسط، وأنها ليست مبادلة لرأس النظام في سوريا بل هي عملياً مبادلة لرؤوس ثلاثة، السوري والإيراني ورأس حزب الله «فوق البيعة».
حتى الساعة تجّار العالم العربي لم يتجاوبوا ويدفعوا السعر المناسب في هذه المساومة الدموية، ربما لأنهم يراهنون على النموذجين اليمني الذي رضخ للضغط الخليجي وغادر إلى المنفى، أو معمّر القذافي الذي ودّع العالم في مشهد «خوزقة» يصلح لعمل مسرحي تاريخي درامي يروي نهاية الديكتاتور الأخضر، ولكن، حتى اللحظة لم يقل أحد بأنّ احتمال نهاية ثالثة يلوح في الأفق السوري، الذي يرسمه واقع الفولكلور التاريخي الذي اختاره الشعب السوري تمييزاً لثورته عن كلّ الثورات العربية التي استعارت أو اقتبست أو سرقت «شعارات» بعضها البعض.
الشعب السوري كان ذو ميزة خاصة قبل حكم البعث، وأشد ما مميز وجهه السياسي «الانقلابات» حتى أتى حكم دموي أعاد صياغة المشهد والشعب والحكم ونقل حكمه إلى لبنان وخاض كلّ مناوراته من على أرضه ولعب بالورقة الفلسطينية واللبنانية والمسيحية والسنيّة والدرزية وأخيراً الشيعيّة، حتى صدق قول القائلين: «إن خروج الجيش السوري من لبنان يعني انهيار نظام حكم البعث في سوريا»، وفي ضوء هذه المقولة علينا أن نقرأ جيداً الأحداث المتنقلة في شمال لبنان علّها تكرّر تجربة الحرب اللبنانية فيعود الجيش السوري إلى لبنان علّ النظام يتخلص من موته المحتّم!!
وإذا كان النظام في سوريا يفكّر بنفس طريقة العام 1975 التي هددنا بها النائب محمد رعد، فما علينا إلا الاستبشار بقرب نهاية هذا النظام لأنه فاشل في قراءة المتغيرات الدولية، فالذي سمح بدخوله إلى لبنان رخصة ودعم من دول العالم وإسرائيل في طليعتها، ومن أخرجه من لبنان دول العالم نفسها التي حذرته كثيراً ولم يكترث لها على اعتبار توهمّه بنظرية «إلى الأبد» التي ملأ بها شوارع لبنان ومدنه!!
وقد تكون مراهنة النظام على روسيا «خائبة»، فسبق واتكلت عليها إيران في موضوع استخدام الفيتو في وجه العقوبات ضدها وخيبت روسيا آمال إيران، وسبق وراهن النظام نفسه على روسيا للهروب من المحكمة الدولية لأجل لبنان وفشلت كل رهاناته حتى اضطر إلى الاستعانة الرئيس نبيه بري وإقفال مجلس النواب، وفشلت محاولته ثم استعان بحزب الله وفشلت محاولته، وهاهو لم يتعلّم شيئاً من الوقوف ضدّ الكون أجمع، والمراهنة على روسيا هي أسوأ خيارات النظام، ولكن إلى متى ستستمر روسيا في الدفع من رصيدها لحماية نظام لم يعد قادراً حتى على حماية نفسه؟!
وسيظلّ السؤال الذي لا يجد إجابة حقيقيّة حول هذا التقاعس العربي في وضع حدّ جدي ونهائي لهذا الابتزاز الروسي البشع والمجرم للعالم العربي أولاً، وما الذي تنتظره الدول العربية لطرد السفراء الروس من أراضيها وتعليق علاقاتها على كافة الأصعدة بالدبّ الروسي الذي يغوص حتى عنقد في دماء الشعب السوري؟!