ان مشروع موازنة 2012 هو أسوأ مشروع لموازنة في الظروف التي يمر بها لبنان.
والموازنة اذا أقرت، كما الضرائب المقترحة في تفاصيلها، ستؤدي الى توسع رقعة الانكماش، وانكفاء التحويلات الى لبنان، وتوسع عجز ميزان المدفوعات، وتضييق فرص العمل، ودفع لبنان نحو فترة من الركود لا يمكن الجزم بمدى استمرارها وأضرارها.
الأمر الغريب أن المسؤولين يتبنون سياسات ضريبية تتآكل المداخيل، وتحول دون الحماسة للاستثمار، وهم لو تابعوا الاوضاع الاوروبية لأدركوا ان سياسات التقشف دفعت الاقتصادات الاوروبية نحو التأزم والانكماش المقارب للركود، وبات الهمّ الاوروبي اليوم، إحياء تنشيط الاقتصاد وتسهيل الإقراض كي يتحقق النمو والمنهج بتبني سياسات تحفيزية.
الموازنة تهدف فقط الى تضييق العجز قدر الامكان ولا تنظر الى فرص تحفيز الانتاج ورفع وتيرة النمو وهذا التوجه يظهر بوضوح من اختصار النفقات الاستثمارية من 3069 مليار ليرة لبنانية الى 1880 مليار ليرة لبنانية أي بما يساوي 1189 مليار ليرة لبنانية. وفي الوقت ذاته تلغي الموازنة اعتماد شبكة الغاز الطبيعي، وهذه الشبكة لو انجزت ولو بعد سنتين تساهم في خفض كلفة انتاج الكهرباء، واستهلاك الغاز في المصانع، وفي حال توسيعها استهلاك الغاز في المنازل. مشروع حيوي يشطب فقط لعصر النفقات والضرائب ترتفع وتتنوع لعصر النشاط الاقتصادي الى حد أبعد مما هو معصور حالياً لخفض العجز الكلي ولا نقول نسبة العجز الى الدخل القومي (النظري ذلك ان هذه الحكومة والحكومات التي قبلها اهملت مساهمة النشاطات غير المنتظمة في زيادة الدخل القومي) ويصير العجز بنسبة 8,8 في المئة من الدخل القومي الافتراضي بدل 7,6 في المئة قدرت سابقاً.
وخدمة الضرائب الجديدة المقترحة متنوعة:
– زيادة الضريبة على فوائد الودائع المصرفية من 5 الى 7 في المئة.
– زيادة معدل الضريبة على القيمة المضافة من 10 الى 12 في المئة.
– زيادة الضريبة على ارباح المصارف من 15 الى 18 في المئة.
– تفرض ضريبة مقطوعة بنسبة 4 في المئة على عمليات بيع عقارات تمت العقود في شأنها قبل 1/1/2009 شرط ألا يكون العقار المبيع هو المسكن الرئيسي للبائع.
– تفرض ضريبة على أرباح بيع العقارات التي انجزت عمليات شرائها بعد 1/1/2009 بنسبة 15 في المئة.
– ترفع رسوم جوازات السفر والميكانيك ورسوم الطوابع بنسب مرتفعة.
– ومن ثم هنالك اشارة الى ضريبة لم اتمكن من فهم مغزاها الا وهي ما يسمى ضريبة الشغور. فهل تنوي الحكومة فرض ضرائب على اراض غير مشغلة وشقق غير مؤجرة حتى لو كان الطلب على الاراضي غير متوافر، وبنية استعمالها غير موجودة، وحتى لو لم يكن هنالك مستأجرون لشقق خالية؟ اسئلة تحتاج الى توضيح.
ان التوجه نحو فرض ضرائب على الارباح العقارية للافراد يبدو مبرراً، لكن اختيار معدلات الضريبة والقواعد التي تبنى عليها يجب ان تدرس بتمعن. كذلك من المفيد التذكير بان الضرائب الواقعة حالياً على النشاط العقاري ليست بسيطة. فهنالك 6 في المئة رسوم تسجيل للعقار، ورسوم توازي او تزيد على 3 في المئة للحصول على رخص البناء، ومن ثم تفرض رسوم بنسبة 6 في المئة عند شراء الشقق. وبما أن قيمة العقارات تراوح بين 30 و 40 في المئة من ثمن مبيع الشقق يكون الوقع الضريبي الاجمالي على هذا النشاط يتجاوز الـ25 في المئة من القيمة المضافة وهي نسبة مرتفعة.
نتساءل: هل ان الحكومة تدرك ان النشاط المصرفي في انحسار وان فوائد الودائع تشكل مرتكزاً حيوياً لعشرات الآلاف من العائلات؟ وهل تدرك الحكومة ان تدفق الاموال الى لبنان يتأثر بهذه الخطوة؟ وحين تقرر الحكومة اقتراح زيادة الضريبة على ارباح المصارف الى 18 في المئة بدل 15 في المئة، وهو المستوى المعمول به على ارباح الشركات التجارية والصناعية والخدماتية… إلخ، هل هنالك مبرر لاستفراد المصارف وكأن الحكومة لا تدرك ان الارباح المصرفية الى انحسار خصوصاً ان المصارف الكبرى التي تعمل في سوريا والتي تمثل ارباحها الجزء الاكبر من ارباح المصارف، سوف تكون مجبرة على رفع احتياطاتها بسبب الديون المتعثرة في سوريا والتي لا بد ان تتكاثر؟ وهل تدرك الحكومة ان سياساتها المقترحة ستخفض حكماً ارباح المصارف في لبنان، وأن النشاط المصرفي في تمويل الاستيراد انحسر خلال الشهرين المنصرمين بنسبة 30-40 في المئة.
هل ان الحكومة غائبة من الوعي، وبعيدة من اعتماد مقاييس المساواة في وقع الضريبة بين مختلف القطاعات، ام انها تسبح في وهم فرض الضرائب على القطاعات التي تبدو انها تحقق ارباحاً كبيرة وترى ان أخص هذه القطاعات العمليات المصرفية والمالية والعقارية؟ واذا اصيبت هذه القطاعات بالانكماش، كيف للبنان واقتصاده ان يستعيدا زخم النمو.
واخيراً، تقترح الموازنة تحديد ضريبة نسبية على ارباح المصارف والمؤسسات المالية، ومؤسسات الهاتف الخليوي (وهذه اساساً تملكها نظرياً الدولة) على مستوى 20 في المئة وقد تصير 23 في المئة اذا كان التفرغ عن اسهم الشركات المعنية غير خاضع لضريبة الارباح على الاسهم.
بكلام آخر، المؤسسات المصرفية والمالية التي لا تدرج اسهمها في البورصة – وأين هذه البورصة الفاعلة والمقنعة – تكون معرضة لأعلى رسم نسبي ضريبي اقترح في لبنان حتى تاريخه. وهنا أيضاً يبرز الابتعاد عن الفكر الاساسي الذي يفرض الموازنات والتوازن في العبء الضريبي على النشاطات الاقتصادية.
لن نطيل الحديث أكثر، ونكتفي بالقول إن الموازنة كارثية وانها تعبر عن دفن عقل الوزارة في الرمال بدل التطلع الى اطلاق النمو الحقيقي.
نحن ندعو الى رفض هذه الموازنة والى تبني برنامج تحفيزي، انمائي، حضاري وعصري يبدأ:
– باصدار سندات اقتراض بقيمة 5 مليارات دولار بمعدل فائدة 6 في المئة ولمدة 5 سنوات، وتكون السندات قابلة للتحويل الى اسهم بسعر الاصدار، ومن ثم اشراك شركات فنية عالمية في انجاز وتشغيل مصفاتين بطاقة 10 ملايين طن سنوياً في طرابلس والزهراني، وانجاز خط الغاز الساحلي. وهذه المشاريع تستوجب 2,5 – 3 مليارات دولار وتكون جاهزة للاستثمار خلال ثلاث سنوات على الاكثر.
– تخصيص 2٫5 ملياري دولار لانجاز 2500 ميغاوات من طاقة الانتاج الكهربائي شرط ان تكون المصانع مؤهلة لاستهلاك الغاز.
وبالتأكيد بين وفر يساوي 600 مليون دولار على حساب ميزان المدفوعات من المصافي، ووفر يزيد على مليار دولار من تكاليف لقيم انتاج الكهرباء، نستطيع ايفاء اصل الدين خلال ثلاث سنوات. واذا اشركنا شركات اجنبية موثوقاً بها في هذه العمليات لا بد وان تستثمر نحو ملياري دولار، الأمر الذي يعني ان عوائد الاستثمار تصير متوافرة للتوزيع بعد ثلاث سنوات، تكون كلفة الفائدة خلالها وازت 900 مليون دولار تزيد قليلاً عن نصف الوفر المتحصل. واذا ارسيت هذه المبادرات على اسس واضحة يمكن استبدال الدين بتملك الاسهم بدل سندات الدين خلال سنتين.
والاهم من ذلك ان مسيرة الانماء تبدأ، وان تدفق الأموال يستعيد زخمه، وان فسحة الأمل للشباب تتفتح، وتزيد كل ذلك توقعات لا بأس بها حول توافر ثروة من الغاز والنفط في المياه الاقليمية اللبنانية، وربما وعي للامكانات المتاحة في مجالات تنقية مصادر المياه وتطويرها.
كثيرون يقولون لي لماذا التعب في الكتابة وليس هنالك من يسمع؟
كمواطن لبناني، أرفض الاقتناع بان الآذان والضمائر غير موجودة، وفي الوقت ذاته أتساءل هل هي موجودة فعلاً.
خلال الاسابيع الثلاثة المنصرمة انخفض سعر النفط لاسباب ظرفية واساسية من 110 دولارات البرميل الى 83 دولاراً، وشراء النفط للتسليم مستقبلاً في شهر تموز هو على مستوى 81 دولاراً البرميل.
لقيم معامل الكهرباء مشتق من النفط، وتالياً ومن وجهة مبدئية ينخفض عجز الكهرباء، والذي هو العجز الاكبر في ابواب الموازنة 500 مليون دولار. وفي امكان أي دولة مستنيرة انجاز عقود مستقبلية تؤكد هذا الوفر، وكل ما تريد الحكومة تحصيله من ضرائب جائرة ومضرة لا يساوي الوفر المتوافر، وخصوصاً اذا اقدمت الدولة على تسييل ممتلكاتها العقارية المكتسبة من ردم ضبية والبالغة مساحتها 300000 م2 والتي تكاد تصير مرتعاً للتسلية وكاراجاً مجانياً لشاحنات النقل الخارجي ودونما تطوير مفيد.