#adsense

إلى الأستاذ غسان … مع محبّتي دائماً أبداً

حجم الخط

 أكتُب لك، لا عنك، وأنت في الحضرة الإلهية، ليس لأن الكلمات تعصى، بل لأنها تخشى الاستعانة بالجزء، في حين أن حياتك كانت تعبّر برموز الجزء عن الكل. آلمني فراقك، وعزّ عليّ وداعك الأخير عن بعد. لكن ما يعزّيني نسبياً، أيها الأستاذ الحبيب، أنه كان لي شرف التقرّب منك في السنوات الأخيرة، واكتشاف شخصيتك الفذّة المتعدّدة الوجه والحلم والنجاح، والتعلّم منك، والاقتداء بعصاميّتك ومثابرتك وقدرتك على تخطي الصعاب والمآسي والأحقاد، العامة والخاصة… وأخيراً، التعرّف إليك أكثر مع شاديا، التي أنعم الله عليك بوجودها، هي المميّزة بإيمانها ودماثتها وذكائها وحبّها وسحرها وتفانيها وصبرها… والغارقة اليوم في حزنها والذكريات والتحدّيات المستقبلية.

أذكر جيداً، كيف تمكّنا، والدي جبران حايك وأنا، من شقّ الطريق بصعوبة إلى منزلك في بيت مري، يوم "ثورة الدواليب" في 6 أيار 1992، حين أُسقطت حكومة الرئيس عمر كرامي، لنجدَك هادئاً وواثقاً ورؤيوياً، في بلدٍ مشتعل ومفكّك ومحجوب الرؤية… وكأنك كنت مطمئناً الى البلد ومستقبله، خصوصاً أنه يتمتّع بمقوّمات الصمود والنهوض، وينعم بـ"بوليصة تأمين" احتياط شاملة، اسمها رفيق الحريري! كما أذكر علاقتنا الآسرة، المباشرة أو أحياناً عبر الصديق سمير قصير، التي أتاحت لي التعمّق في عدد من الملفات الساخنة. وكيف لي أن أنسى يوم زرتك في مبنى "النهار" الجديد، أواخر العام 2004، حين أصررت على أن أكتشف بصحبتك أرجاء "المكتب العصري"، مفخرة جبران تويني الابن، وأن أشاهد بأم العين الصورة العملاقة في قاعة المؤتمرات، التي تُظهرك شاباً وسيماً، عائداً حديثاً من جامعة "هارفرد" لتسلم مقاليد الجريدة، وإلى جانبك زملاء صحافيين شباب، منهم والدي… وقتها أتحت لي اكتشاف "سر المهنة" وأسرار مهنية وتنظيمية ومالية أخرى، وفاتحتني برغبتك في أن أنضم إلى إدارة "النهار" في صورة دائمة، علماً أن "صاحبنا" جبران كان يحبّذ الفكرة… لكن شاءت الظروف ألاّ أعود نهائياً إلى لبنان، فاتفقنا على التواصل الدائم، وهكذا كان. وأخيراً، لن أنسى وصول الحبيبة نايلة إلى أعلى الهرم في الجريدة، عبر معمودية الدم، وحرصك الدائم على نجاحها، وتوجيهاتك بضرورة إحاطتها ومؤازرتها ودعمها.

أيها الأستاذ الحبيب، نعاك الجميع، ورثاك الجميع، وبكاك الجميع، وأحبّك الجميع! أما أنا، فخسرت أباً ثانياً، وأميراً للأحلام، وضماناً للوطن المعذّب… لكني ربحت قدوة ومثالاً، لا يُقهر ولا يموت، أصبح الآن في دنيا الخلد، أكتب له من حرقتي… مع محبّتي، دائماً أبداً.

المصدر:
النهار

خبر عاجل