"جواسيسك يوم تشريفك عملولك دقة وزار
تتقصع فيه المومس والقارح والمندار
واليش شمهورش راكب عالكودي وهات يا مواكب
وبواقي للزفة عناكب ساحبين على حسب الصيط"
(احمد فؤاد نجم)
الأمير
"نيكولا دي برناردو دي ماكيافيلي"، الفيلسوف السياسي الايطالي الذي ظهر في بدايات عصر النهضة ومات سنة 1627، عن 58 عاما قضى جزءاً منها في السجن او النفي، لم تنشر أي من مؤلفاته خلال حياته وقد حُرمت أثاره من قبل الكنيسة لثلاثة قرون الى ان أُعيد اكتشافها في القرن الثامن عشر.
اشهر كتبه على الاطلاق هو "الأمير" وهو كتيّب صغير ولكنه من أعلام الفكر السياسي، وفيه توجيهات للحكام "لحسن ادارة سلطتهم" وبالتالي الاحتفاظ بها الى اطول فترة ممكنة. يرتكز فكر ماكيافيلي على منطق "النفعية" في صورة مبكرة للواقعية السياسية.
يعتبر ماكيافيلي السعي الى "السلطة" من اهم القوى المحركة للتاريخ. ومن خلال ملاحظاته عن الصراع السلطوي بين الشعب والحكام، طالب بخلق دولة وطنية خارج سلطة الاقطاع والاكليروس، ولكن قوية لدرجة تقمع الاضطرابات الشعبية.
كان يرى انه من المسموح استخدام كل الوسائل المتاحة في الصراع السياسي من خلال قوله الشهير "الغاية تبرر الوسيلة"، مما يسوغ القسوة والوحشية في الصراع على السلطة.
بين السعي الى السلطة والخيانة
كان من الممكن اعفاء القارئ من هذه المقدمة لولا انه كان من الواجب تعريف الناس على الكتاب "المقدس" الذي يضعه الكثير من عشاق المناصب كتعويذة تحت مخدتهم ليناموا على أوهام السلطة الابدية.
لم تكن لعبة نظام حافظ الاسد بعيدة عن هذا الواقع خلال ادارته البائسة للوضع في لبنان. فحافظ الأسد نفسه كان يطبق التعاليم المقدسة لماكيافيلي اثناء تسلقه سلَّم السلطة في سوريا عندما انقلب على رفاقه ومعلميه، فألقى صلاح جديد في السجن الى حين موته، واغتال محمد عمران بعد ان لحقه الشبيحة الى طرابلس.
لقد كان ميشال عون على حق عندما كان يقول إن النظام السوري سيترك وراءه الكثير من المواقع المتعاملة معه في لبنان بعد خروجه. كان ذلك قبل ان يصبح هو نفسه احد هذه المواقع. ولو راجعنا تاريخ الاحتلال السوري للبنان لتأكدنا من ان هناك اعداداً لا تحصى من المواقع في سلطة كانت اساسا تعتمد في وجودها على هيمنة النظام السوري.
لقد بنيت علاقة النظام السوري مع اتباعه في لبنان على مزيج من الترهيب والترغيب والابتزاز، وان كان عنصر الترهيب بالقتل او الاعتقال او على الأقل البهدلة ودوس الكرامات قائما على الدوام، فإن عنصري الترغيب بالسلطة والابتزاز بفقدانها كانا عنواناً صارخاً لادارة الأمور في لبنان.
ولو أجرينا جردة على شاغلي هذه المواقع لكانت كما يلي:
ناطور بناية تحول الى جاسوس ينقل أخبار سكانها، وقد تمتد سلطته ليصبح "شيخ النواطير الجواسيس". في حي ما، وهذا بالطبع نوع من السلطة.
قد يكون رئيساً لحزب قومي ووحدوي وممانع تأنف حتى زوجته من أن تكون في عداد المنطقة وإحصاء أنفاسهم، وربما تولى أحياناً أعمالاً قذرة غب الطلب، وهذا نوع آخر من السلطة. بالطبع يكون بعدها نجماً إعلامياً بعد أن كان نكرة ومنكراً، ويحضر ايضاً كممثل عن حزبه في اجتماعات "الأحزاب المقاومة والممانعة".
وقد يكون إعلامياً حاصلاً على دكتوراه مزوّرة، أصبح في غفلة من الزمن رئيساً لمركز إعلامي يتولى الدسّ والتحريض، وإذا اضطره الأمر إلى اطلاق الشتائم بحق معارضي النظام السوري، وبالطبع التجسس على الزملاء الصحافيين، والظهور في مواقع الإعلام بشكل مملّ ومتكرر، وهذا الظهور هو نوع من السلطة.
وقد يكون أيضاً استاذاً في الجامعة لا نعرف كيف حصل على شهادته، ولكنه، لمواقفه الممانعة وثقافته المقاومة، يتدرج ليصبح مسؤولاً عن فرع ما، أو مسؤولاً عن المعايير الأكاديمية في كلية ما، أو لِمَ لا رئيساً للجامعة يحرص من خلال سلطته على فرض ثقافة الممانعة والمقاومة وتأييد ديكتاتور ممانع أو صاحب عصمة مقاوم؟ وبالطبع هو يعلم أن سلطته زائلة في يوم زوال النظام السوري.
وقد يكون ضابطاً ما، في موقع ما تدرج إلى أعلى السلطات لأنه فقط خريج مدرسة الممانعة وأخلاقياتها الماكيافيلية، أو مكسورة عينه لمذلة ما يحتفظ محركوه بتفاصيلها، يُستخدم للعبث بالأمن عند اللزوم أو جمع المعلومات عن معارضي النظام الممانع أو خطف بعضهم أو قتلهم أو إثارة الفتن، كله في سبيل الحفاظ على موقعه في السلطة. في الحقيقة اللائحة طويلة جداً، ولكنني أردت أن أتدرج لأصل إلى من قال منذ مدة إن "حزب الله" هو "ورم حميد أو خبيث في جسم لبنان"، ليعود ويقول منذ أيام بأن سلاح هذا الحزب "مقدس".
لقد منّن اللبنانيين بأنه لم يتجرع كأس السلطة المُرّة إلاّ لأنه يسعى إلى تأمين الاستقرار في لبنان!! ولأن الاستقرار عزيز على قلوب معظم اللبنانيين، صدّقوه، لا بل أن البعض بدأ ينسج الآمال على أساس أن من أتى به ليتولى السلطة سيعطيه كل المقدمات لنجاح تجربته.
من الظلم هنا الادعاء بأن من وُلّي هذه السلطة كان بالأساس يسعى إلى إدارة الخراب. فهو كان يتمنى لو أن الظروف كانت ستسمح له بتأمين الاستقرار في ظل استمرار غلبة مشروع الممانعة الذي أتى به. ولكن لحظة الحقيقة أتت عندما وصلت الأمور بمنظومة الممانعة إلى شفير الانهيار بعد تفاقم أزمة النظام في سوريا. وحاجة هذا النظام التقليدية إلى العبث بمصائر جيرانه معروفة مما يعني أن كل أدوات هذا النظام عليها أن تساهم في تنفيذ ما هو مطلوب منها، كل بحسب موقعه وقدراته.
قد يستكبر البعض ما قلته، ولكن التاريخ الإنساني يؤكد أن منطق "الغاية تبرر الوسيلة" هو الغالب، وما عداه هو استثناء. ولنكن موضوعيين، فإن صاحب السلطة هذا لا أمل له، ولأسباب موضوعية، في أن يكون في موقعه لولا وجود النظام السوري، والجميع يعلم أيضاً أن هذا النظام هو من أوجده بالأساس، لذلك فمن المنطقي أن يضع كل أوراقه لخدمة هذا النظام لكي يحافظ على الآمال بالاستمرار في السلطة. لذلك فإن منطقَي "النأي بالنفس" و"الوسطية" هما قناعان يغطيان مشاركته الكاملة في الجريمة التي يمارسها النظام السوري ومعسكر الممانعة ضد لبنان.