#adsense

“أمين” على مين؟

حجم الخط

كتب ي.د في صحيفة "المستقبل":

يُمكن أن يُطلق على السيد نصري خوري أي لقب أو وصف، باستثناء لقب الأمين العام للمجلس الأعلى اللبناني – السوري، فهذا الرجل الذي شغل منصب الأمين العام في هذا المجلس المفرّغ من الصلاحية منذ تشكيله في بداية التسعينيات، لم يقم بمهامه الأساسية في هذا المنصب ولم يقاربها من منطلق رعاية المصالح اللبنانية – السورية والسهر على حسن تطبيقها على الإطلاق، إنما ارتضى لنفسه أن يكون ناقل رسائل دوائر النظام السوري من دمشق الى بيروت، ومعقّب معاملات حاكم عنجر في دمشق.

من يعرف دور وممارسات نصري خوري عن قرب طيلة تلك الحقبة، يكاد ينسى أن هذا الرجل من التابعية اللبنانية، لكثرة انهماكه بتنفيذ تعليمات القيادة السورية، والتحضير لزيارات بعض المسؤولين السوريين للبنان، باعتبار أن أجهزة الإستخبارات السورية التي تملأ لبنان بالطول والعرض يومذاك، كانت منصرفة الى ما هو أبعد من تعاون سلطات البلدين، وهي تركيب الملفات وإعداد التقارير لمركز القرار في دمشق عن القيادات اللبنانية التي لا تستسيغ سياستها، ويبدو أن نصري خوري كان أميناً للنظام السوري الذي اختاره لهذا الموقع ومنّن لبنان يومها على هذا الإختيار، فكان يقوم بكل ما هو مطلوب منه ما عدا مهمته الأساسية.

مع انسحاب القوات السورية من لبنان كثّف خوري تحركاته باتجاه القيادات اللبنانية، علّه يسدّ جزءاً يسيراً من نقص المعلومات الذي بدأت تعانيه القيادة السورية، لكن دوره كان أشبه بوكيل تفليسة النظام، إذ لم يكن نشاطه على قدر الآمال المعلّقة عليه، غير أن هذا الدور كان أفضل الممكن الى أن التقط حلفاء دمشق أنفاسهم وأمسكوا مجدداً بزمام المبادرة على الأرض من خلال الأدوار الأمنية والعسكرية، وبات الحلفاء يتنافسون على تقديم التقارير لإثبات حسن سلوكهم أمام الأسياد، واستمرّ هذا الواقع الى أن أنشئت السفارة السورية في بيروت التي باتت موقعاً مخابراتياً متقدماً في لبنان على ما عداه، سيما وأن أبواب الوزارات اللبنانية باتت مشرعة أمام السفير علي عبد الكريم علي الذي برع في نقل سياسته المخابراتية من اللقاءات السرية، الى المنابر الرسمية اللبنانية وفي مقدمها منبر وزارة الخارجية اللبنانية.

بالتزامن مع الدور الأمني الفاعل الذي كان يمارسه السفير علي بقناع دبلوماسي، عاد نصري خوري ليكون لاعباً بارزاً على الساحة اللبنانية، لكن هذه المرّة أطلّ بوجه جديد، وجه هو أشبه بنسخة طبق الأصل من وجوه ناصر قنديل وميشال سماحة ووئام وهاب في تسويق الروايات السورية، واتهام قوى سياسية لبنانية بالتدخل سلباً في الأزمة السورية، فكانت مفاجأة خوري الأولى يوم أطلّ من القصر الجمهوري في بعبدا، وأعلن بصراحة تقارب الوقاحة، أنه نقل الى رئيس الجمهورية ميشال سليمان، طلب السلطات السورية بموقف رسمي لبناني من الاتهامات التي وجهها التلفزيون السوري لعضو كتلة "المستقبل" النائب جمال الجراح بالتدخل في دعم المحتجين في سوريا بالمال والسلاح، وألحق هذا الموقف بزيارة قام بها الى النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا، والطلب منه أن يتعاطى القضاء اللبناني مع المعلومات السورية التي تتناول النائب الجراح، قبل أن يتبلّغ من ميرزا بأن السلطات اللبنانية تفضل أن تتم الأمور بين البلدين وفقاً للاتفاقية القضائية الموقعة بينهما، بحيث يرسل القضاء السوري ملفاً قضائياً يتضمن التحقيقات التي أجريت في سوريا.

بالتأكيد لم ترسل السلطات السورية الملف الذي تحدثت عنه، لأنه ليس لديها تحقيقات ولا من يحزنون، لكن الإتهامات السورية ضدّ قوى سياسية لبنانية معارضة زادت وتيرتها في دمشق، في وقت واصل نصري خوري ترويجها في لبنان عندما كان السفير علي يقصّر في ذلك، وذهبت غيرة هذا الرجل على مصالح النظام السوري الى نفيه المطلق لكل إنتهاكات جيش بشار الأسد وأمنه وشبيحته للأراضي اللبنانية، وتبرئته من قتل وخطف مواطنين لبنانيين رغم إعتراف هذا النظام ببعض هذه العمليات، وصولاً الى تبنّي خوري للتقارير التي أذاعها السفير السوري في الأمم المتحدة بشار الجعفري عن تسلل العشرات من مقاتلي تنظيم "القاعدة" الى لبنان وتمركزهم في الشمال والبقاع وجونيه، والتي سبقه اليها وزير الدفاع اللبناني فايز غصن ووافقه لاحقاً عليها العماد ميشال عون.

أمام كل هذه الوقائع لا ينفك نصري خوري يمارس ديماغوجيته على قاعدة "نحن هنا"، وهو أسلوب يحاول من خلاله الإيحاء لمن عيّنه بمنصب لزوم ما لا يلزم أنه لا يزال يتمتع بدور فاعل، وهو ما يدفع الى تبرير بقاء المجلس الأعلى اللبناني – السوري الذي لم يعد منه الا مجرّد ذكرى لحقبة الوصاية السورية على لبنان.

ها هو نصري خوري يعود مجدداً لإثبات وجوده عبر قيامه بدور الوسيط في إطلاق المواطن اللبناني محمد سليمان الأحمد الذي خطفه الجيش السوري من وادي خالد الأسبوع الماضي، غير أن محاولاته أثبتت أن وساطته لم تكن فاعلة على الإطلاق وأن تصريحاته كانت مجرّد تمنيات، فهو ما إنفك منذ يومين يطلق الوعد تلو الآخر بأن المخطوف سيفرج عنه بعد ساعات، وليفاجأ أهل المخطوف أنهم كانوا يراهنون على سراب قبل أن تفلح وساطات بعض عملاء النظام السوري اللبنانيين من أجل تخفيف الضغوط الداخلية عليهم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل