يبدو الوضع اللبناني على أبواب الصيف المقبل معرضاً أكثر من أي وقت مضى للتأكل والتعفن حتى الإهتراء في خضم ازمة مزمنة ما زالت تضربه منذ سنوات عدة.
فخروج القوات السورية لم يكن ناجزاً، بل ترك وراءه مخلفات لا يجوز الاستخفاف بها سواء كان ذلك من جهة تأثير دمشق المباشر، وتلك مسألة تاريخية تعود لعهد استقلال لبنان الهش ولتركيبة لبنان الطائفية والمذهبية القائمة على التوازنات، ومن جهة اخرى يجب الإقرار ان لحلفاء النظام السوري تأثيراً وازناً وقوياً على الحياة السياسية. فالمد الشعبي الضخم الذي أعقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 والذي راح يتكرر في الأعوام التالية واللاحقة والذي حقق أكثرية نيابية مهمة في دورتين انتخابيتين (2005 و2009) أعقبه هجوم معاكس وانقلابي استطاع قلب المعادلات داخل البرلمان وخارجه.
فالتحالف الوطيد بين دمشق وطهران، والمأزق الذي راحت تتخبط فيه القوات الاميركية في العراق والصفقة التي عقدتها واشنطن مع ايران ليصبح العراق اشبه بمحمية ايرانية ومراوحة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية مكانها، كل ذلك اعطى دفعاً قوياً لحلفاء سوريا عندنا بخاصة عندما رحنا نشاهد سيطرة عارمة لحزب الله ليصبح جزء من سكان لبنان في قبضة حزب واحد مسلح على حساب حلفائه الشيعة وارتماء الجنرال عون الكلي في أحضان هذا الحزب وموالاته للنظام السوري، بل راح حزب الله يوسع سيطرته ليس داخل طائفته فحسب بل داخل مؤسسات الدولة برمتها بعد محاولته اسقاطها بالقوة من الخارج. ولم يتبق لقوى الأكثرية سوى مؤسسة رئاسة الحكومة التي تزامن الاستيلاء عليها مع صدور القرار الاتهامي من المحكمة الدولية. وقد تعطل الحوار بين المعسكرين المتعادين منذ منتصف عام 2006 حيث في منعطفات متعددة شارفت البلاد الدخول في حرب اهلية مدمرة (2008، 2012) ولم يستطع وصول رئيس جديد للبلاد بعد اتفاق الدوحة ردم الهوة المزدادة اتساعاً بين الفريقين حيث لم ينقطع التواصل بينهما فحسب بل اضطر ممثل اكبر كتلة نيابية (الرئيس سعد الحريري) إلى مغادرة البلاد.
ان اندلاع الانتفاضات الشعبية التي اجتاحت العديد من البلدان العربية وسقوط أنظمة توتاليتارية تعتبر ثابتة لفترة طويلة (تونس، مصر، ليبيا، اليمن) قد غيّر معالم الوطن العربي بصورة مذهلة، كما ان نشوب الانتفاضة السورية المتعاظمة منذ حوالى السنة ونصف راح يعمّق القطيعة بين المعسكرين اللبنانيين بين مؤيد للثورة ومعاد لها في ظل حكومة من صناعة سورية بادارة فعلية من قبل حزب الله. وبالرغم من استشراء الفساد وسيطرة الرشوة والصفقات المريبة وحالة العجز الكلي الحكومي وانتهاج سياسة ممالئة لدمشق في الداخل والخارج، فإن حزب الله مصرٌ على بقاء حكومة الميقاتي مراهناً على عامل الوقت، معتقداً انه بامكانه احكام قبضته على الاكثرية في الانتخابات المقبلة. ولم تثنه عن اصراره هذا احداث عكار وطرابلس الدامية ولا حالة الغليان التي اكتسحت بيروت الغربية.
في ظل خطر انفجار الوضع اللبناني المأزوم الى أبعد الحدود وتلبية لنصائح صديقة بضرورة عودة طاولة الحوار للانعقاد، قام حزب الله بحركة التفاف ذكية على الحوار نفسه على الوجه التالي:
ـ تمرير ورقة عمل طاولة الحوار لتشمل إثارة موضوع السلاح على كافة الاراضي اللبنانية، وذلك لوضع الجيش والقوى الأمنية في مواجهة السخط العام في طرابلس وعكار.
ـ إعادة إثارة مشكلة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات مع اضافة مشكلة جديدة حول السلاح داخل المخيمات نفسها.
ـ فرض املاءات حزب الله على المتحاورين على قاعدة اعتبار اثارة موضوع سلاحه خيانة وطنية تماماً كما جاء في مداخلة النائب محمد رعد بعد دقائق من انعقاد الجلسة، بعد التطمينات الصادرة عن رئيس الجمهورية عندما اعتبر سلاح المقاومة تعبيراً عن المقاومة المدنية للعدوان.
المهم ماذا سيحدث لاحقاً: إن كل المعلومات تشير الى عدم صدور أية قرارات متوقعة على طاولة الحوار. فالسلاح الفلسطيني خارج المخيمات يرتبط بالنظام السوري المنشغل والغارق حتى اذنيه في معاركه الداخلية، فدمشق لا تملك متسعاً من الوقت! فكيف إذا لم تمتلك النية أيضاً. حكام دمشق لم تتغير نظرتهم للبنان على انه اشبه بالفناء الخلفي للدار حيث يلقي اصحابه الخردة والنفايات. ولم تتغير هذه النظرة على امتداد العقود الماضية. أما السلاح الفلسطيني داخل المخيمات واثارة موضوعه ليس في حقيقته سوى الذريعة التي تعمد دمشق لاغراق الدولة اللبنانية في متاهاتها لتبرير عدم نيتها ايجاد حل للسلاح خارج المخيمات حتى يظل سلاح قوسايا والناعمة مشكلة عالقة وباباً مشرعاً لزعزعة الاستقرار عندنا.
أما السلاح الفردي في لبنان اكان ذلك في الشمال أو بيروت أو البقاع والجبل فهو عادة لبنانية متوارثة منذ مئات السنين ازدادت سوءاً مع غياب الدولة عن بعض المناطق وتدهور الاوضاع الأمنية ونشوب الحرب الأهلية (1975-1990) وقد انتشر بكثرة في الآونة الأخيرة بسبب الشعور بالخوف والتهديد عندما وجه حزب الله سلاحه نحو الداخل، إلا أن التذرع به لتبرير وجود دولة حزب الله داخل الدولة اللبنانية بما يملك من ترسانة صواريخ واسلحة متطورة، وشبكة اتصالات خاصة به وجهاز معلومات متطور، فهذه لعبة لا تنطلي على أحد.
أما ان يتحول مجرد اثارة مشكلة سلاح حزب الله عملاً خيانياً، وأنه إرادة الهية و"قدس الأقداس" لا يجوز المساس به ولا الحديث عنه، فإنّ ذلك يترك ظلالاً خطيرة حول الحوار وجدواه. ففي هذه الحالة يذهب المراقبون للقول ان الدعوة لانعقاد طاولة الحوار مجدداً لا يهدف في حقيقته سوى لكسب الوقت وتمرير فصل الصيف واستعطاف دول الخليج العربي حتى تسمح لرعاياها بتمضية الصيف في ربوعنا، انعاشاً لموسم الاصطياف والسياحة الذي شارف على الهلاك لحد دفعنا للتوسل والاستجداء.
ان الهدف من طاولة الحوار الآن هو كسر حدة التوتر والاحتقان القائم وتشجيع التغطية الاعلامية له من تلفزة وصحف ولقطات فوتوغرافية علّه بالإمكان اعادة اللحمة الى ما انقطع في علاقاتنا العربية.
اما ما عدا ذلك فالوضع المأزوم المتعفن المتخم بالتشنج باق على حاله وجل الافرقاء ينظرون باستمرار باتجاه الشرق، نحو دمشق حيث تستمر المعارك الدموية المخيفة والمذابح المرعبة، فالنظام الذي سيحكم سوريا هو الذي سيحدد مآل الأحداث عندنا. ما عدا ذلك فالأزمة عندنا إلى مراوحة واستمرار.