كتب ألان سركيس في "المستقبل":
تُصيب نظريّة "قدسية السلاح" من قِبل رئيس الحكومة نجيب ميقاتي و"حزب الله" صلب الديانة المسيحيّة، كما الديانات الأخرى.
فـ"حزب الله" أنزل القدسية من السماء الى الأرض وجعل محورها السلاح، فالسلاح "مقدّس"، والمتهمون الأربعة في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري "قدّيسون" لدى "حزب الله"، وببساطة الرشاش "مقدّس"، والرصاص "مقدّس"، والقمصان السود "مقدّسة"، وصواريخ رعد وزلزال وفجر "قمة القداسة".
لا ينسى اللبنانيون ردّ الفعل الذي قام به "حزب الله" عندما قام المخرج شربل خليل بتقليد شخصيّة السيد حسن نصرالله في برنامج "بس مات الوطن"، فقام مناصروه بالتعبير عن غضبهم أيضاً بقدسية منقطعة النظير وقاطعة للطرق ولا سيما طريق المطار، في وقت يؤيد شربل خليل خط "التيار الوطني الحرّ" حليفهم المفضّل، ولم يسلم من كل أنواع التهديد والوعيد هو والمحطة التي يعمل فيها.. حتى اعتذر.
هذه التصرفات تترك تساؤلات عدة في الشارع المسيحي، الذي يشعر بأنّ "حزب الله" يصون معتقداته وشخصياته السياسية والدينية، ومستعدّ لافتعال حرب طائفية إذا تعرّض أحدهم من غير قصد ومن دون أي نيّة سيئة لهم، فيما يمضي هو ورئيس حكومته ميقاتي في استعمال مصطلحات دينية للسلاح، تُشكّل إساءة للأديان، ومسّاً بأقدس المقدسات.
هذه التصرفات تستفزّ الشارع المسيحي والقيادات السياسية، ويرفض عضو كتلة "الكتائب" النائب سامر سعادة في حديث إلى "المستقبل" اعتبار "سلاح حزب الله مقدّساً، فنحن أناس مؤمنون ونقدس الله، نعتبر أيضاً أن الإنسان والدولة والقانون مقدّسين، أما إذا رأى "حزب الله" أنّ السلاح مقدّس فهذه مشكلته مع ذاته ومع ربّه، وخصوصاً أنه يصدر عن حزب يمثّل جمهوراً مؤمناً، فكيف يرضى أن يُقدّس السلاح؟".
ويعتبر سعادة أن "المشكلة أيديولوجية، وفي فكر حزب لا يؤمن بالمساواة التي هي أهم شرط في بناء الدولة، وسلاحه يمنع المُضي قدماً في عملية تقوية المؤسسات وقيام دولة فعلية".
الإنسان المؤمن يُقدّس ربّه، أما شعار "حزب الله" فهو لتقديس السلاح، أي الحديد والنار، والأسلحة مصنوعة من الحديد، ومن البارود المشتعل، وتُستعمل للتخريب، ومجرد انتقاده يظهر كأنّه مسّ بالمقدسات، وهذا يطرح علامات استفهام عما إذا كان الحزب وصل الى درجة "تحريف الدين" من خلال تقديس أشياء أبعد ما تكون عن الألوهية، ومن العصر الوثني.
البيئة اللبنانية متنوعة وفيها من كل الطوائف، ويؤكد عضو كتلة "القوات اللبنانية" النائب شانت جنجنيان، أن "لكل بيئة ومذهب أفكارها وقناعاتها، وأنا كإبن زحلة أرفض التطاول على قناعات ومعتقدات غيري، فمقولة السلاح مقدّس مرفوضة، فالإنسان والوطن هما الأسمى والأقرب الى القداسة، فنحن لا نريد السلاح غير الشرعي، وطبعاً لن نرضى بقدسيّته، ومشكلة "حزب الله" بالتفكير الانفرادي والانطلاق من شعار القدسية لفعل ما يريد تحت ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة، غير القابلة للاستمرار".
اختلطت على "حزب الله" نظريات كثيرة أطلقها ولم يعد يعرف كيف سيطبقها أو كيف سيخرج منها، وتبدأ هذه النظريات بعد العام 2000 عندما رفض ذهاب الجيش اللبناني الى الحدود الجنوبية بعد انسحاب إسرائيل بحجة أن الجيش اللبناني إذا وجد هناك سيحمي إسرائيل، ومن ثم نظرية "شكراً سوريا"، ونظرية "محو إسرائيل من الوجود"، واعتبار "يوم 7 أيار يوماً مجيداً"، ونظرية "المحكمة الدولية إسرائيلية"، لكن الأخطر منها كلها هو إنزال القدسية على السلاح لأنه يمسّ جوهر الدين المسيحي.
ويرى أمين العلاقات الخارجية في حزب "الوطنيين الأحرار" كميل ألفرد شمعون أن "مثل هذه النظريات البدائية تؤخر تطوير المجتمع والدولة، فمجتمعنا يُلبس القدسية لكل شيء، ويُؤلّه الزعيم، ومن هنا نشاهد الشعب الذي يستمع الى خطاب السيّد حسن نصرالله يقف صفاً واحداً ويستمع الى خطابه وكأنّه شيء مقدّس، كما أنّ بعض الظواهر التي يقوم بها حزب الله تعتبر من القدسية عندهم بينما لا قيمة لها عند غيرهم فاحتفاظه بالدبابات الإسرائيلية والذخائر ومنع المس بها، وكأنها قطع نادرة يدل على ضعف التفكير والتعلّق بأشياء وهمية".
هذا النوع من الخطاب يرى فيه شمعون "خطورة، لأن أي مشروع أو مرسوم يريدون تمريره يقولون عنه مقدّس، ويقرّونه على الرغم من مخالفته لأحكام الدستور والقانون اللبناني".
ويمكن القول إن "حزب الله" وميقاتي يستعملان المصطلحات الدينية لتمرير مشاريع ومخططات لا تمتّ الى الدين بصلة، بل تؤمّن مصالحهم… فقط لا غير.