
كتب المحامي الدكتور أنطوان أ. سعد في صحيفة "الجمهورية:
يناشد بعضهم رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان أن يرفض توقيع مرسوم يقرّه مجلس الوزراء في إطار زيادة نسبة تملّك الأجانب في لبنان، وبعضهم الآخر يناشد البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي المبادرة إلى عمل إنقاذيّ في هذا الصدد.
بيع الأراضي بين اللبنانيين وتملّك الأجانب للأراضي اللبنانية موضوعان مترابطان في النتيجة التي من الممكن أن يصل إليها المسيحيّون في لبنان إذا استمرّ هذا النزف، الذي يطاول لبنان من شماله إلى جنوبه وشرقه وغربه. إذ كلّما جرى بيع بعض العقارات (من الحدث إلى تعلبايا إلى الصبّاح ودلبتا والدبّية والدلهمية وجرود جبيل وسائر البقاع اللبنانية) يجمع المعنيّون على وجوب وضع حدّ لهذه المسألة.
لكن في ظلّ التخبّط الذي تشهده الساحة السياسية في لبنان وغياب الحوار العلمي والبنّاء بين الأطراف المؤثرين في هذا الصدد، ولا سيّما مجلس النواب ودور النواب المسيحيين خصوصاً، الذي لا يتجاوز البكاء على الأطلال أو تقديم اقتراحات لم تحظَ بإجماع أو تأييد الأكثرية النيابية، لأنّ كل فريق نيابي ينظر إلى الموضوع بمنظار مختلف عن الآخر، ولا يحاول أن يضع نقاطاً مشتركة مع أطراف سياسية أخرى لأنّهما في حال افتراق أو طلاق سياسي.
أمّا الجمعيات والروابط المعنية، فهي لا تستطيع إلّا محاولة اقتراح الحلول، فيما الحلول لم تبصر النور بعد لعدم صدور قانون يحدّ من النزف ويصون الحقوق ويبدّد المخاوف، لتبقى الأرض لجميع اللبنانيين وليس لجزء منهم بما يتلاءم مع الدستور والقانون.
وحتى لا يبقى النقاش العلمي والقانوني في هذا الموضوع من المحرّمات، فإننا سنحاول شرح الأسباب الموجبة لأيّ اقتراح قانون من شأنه أن يضع حدّاً لهذه المسألة، وذلك على قاعدة "كما أنّ السلطة تحدّ السلطة يأتي القانون ليضع قيوداً وضوابط على ممارسة الحقوق".
نصّت المادة 2 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 20/12/1948 على أنّ "لكلّ إنسان التمتّع بكلّ الحقوق والحرّيات الواردة في هذا الإعلان من دون تمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين"… وإذا كانت المادة 17 من هذا الإعلان تنصّ على أنّ "لكلّ شخص حق التملّك بمفرده أو الاشتراك مع غيره، لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسّفاً"… فإنّ من المجافاة القول إنّ هذا الحقّ مطلق لأنّ معظم الحقوق تمارس ضمن قيود وضوابط تهدف إلى تحقيق مصلحة عامّة.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، تأتي ممارسة حقّ الشفعة المنصوص عنها في المواد 238 حتى 254 المعدّلة من قانون الملكية العقارية الصادر بموجب القرار الرقم 3339 تاريخ 12/11/1930 ليضع ضوابط على ممارسة هذا الحق، فيوجّه إرادة البائع باتّجاه بعض الأشخاص الذين أعطاهم القانون حقّ الأفضلية وذلك في حالات خاصة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى قانون الاستملاك الذي يشكّل أحياناً قيوداً على حقّ الملكية وقانون الإيجار الرقم 160/92 الذي يمدّد عقود الإيجار بقوّة القانون الموقّعة قبل تاريخ 22/7/1992 بما يخالف مبدأ حرّية التعاقد على الملكية الفردية، بينما هذا الأمر غير مطبّق على من وقّع عقود إيجار على ملكيته بعد هذا التاريخ وفقاً للقانون الرقم 159/92. وكذلك بالنسبة إلى قانون تملّك الأجانب الصادر بموجب القانون المنفّذ بالمرسوم الرقم 11614 تاريخ 4/1/1969 والمعدّل بموجب القانون الرقم 296 تاريخ 3/4/2001، حيث يضع هذا القانون قيوداً على المالكين غير اللبنانيّين الذين لا يمكنهم تملّك إلّا مساحة محدّدة بموجب القانون (3000 م.م. وفقاً للمادة الثالثة ف 1 من هذا القانون)، كما ليس لهم أن يوقّعوا عقود إيجار لأملاكهم إلّا لفترات زمنية محدّدة لا تزيد عن عشر سنوات إلّا بموجب ترخيص صادر بموجب مرسوم يتّخذ في مجلس الوزراء، وهذا ما نصّت عليه المادة 4 من المرسوم الرقم 11614/69، وفي ذلك قيود على ممارسة حرّية التعاقد والتصرّف بالملكية العقارية.
كذلك يأتي قانون الإستملاك الرقم 58 الصادر في 29/5/1991 وتعديلاته، ليضع أيضاً قيوداً على حقّ الملكية، خلافاً لِما هو منصوص عنه في المادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المذكورة سابقاً. وكذلك عندما يصنّف العقار بأنّه أثري فإنّه يمنع على مالكه أن يهدمه ليشيد عليه بناءً جديداً، وفي ذلك قيد آخر على حقّ الملكية، ولو شئنا تعداد كلّ هذه القيود لطال الكلام أكثر…
ومن أبرز القيود التي يضعها المشرّع اللبناني على اكتساب غير اللبنانيين الحقوق العينية العقارية في لبنان، ما ورد في الفقرة الثانية من المادة الأولى منه التي تنصّ على أنّه: "لا يجوز تملّك أيّ حقّ عينيّ من أيّ نوع كان لأيّ شخص لا يحمل جنسية صادرة عن دولة معترف بها أو لأيّ شخص إذا كان التملّك يتعارض مع أحكام الدستور لجهة التوطين".
وبما أنّ المادة 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادر بتاريخ 16/12/1966 والذي أجيز انضمام لبنان إليه بالقانون المنفّذ في المرسوم الرقم 3855 الصادر بتاريخ 1/9/1972، تلك الفقرة التي تنصّ على: "يجوز للبلدان المتنامية، مع إيلاء المراعاة الحقّة لحقوق الإنسان واقتصادها القومي، تقرير مدى ضمانها لغير مواطنيها الحقوق الاقتصادية المعترف بها في هذا العهد".
وبما أنّ العهد الدولي المذكور يؤلّف حلقة متمّمة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان واضعاً الإطار القانوني الذي يمكن من ضمنه ممارسة الحقوق الاقتصادية التي ينصّ عليها كلٌ منهما، ومنها حق الملكية.
وبما أنّه، إضافة إلى ذلك، نصّت الفقرة الثانية من المادة الأولى من الاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري بكلّ أشكاله تاريخ 7/3/1966 والتي أجيز انضمام لبنان إليها بالقانون الرقم 44/71 تاريخ 26/6/1971، على الآتي:
"لا تسري هذه الاتفاقية على أيّ تمييز أو تقييد أو استثناء أو تفضيل تجريه أيّ دولة من الدول الأطراف فيها على أساس الفصل في المعاملة بين المواطنين وغير المواطنين"، مع العلم بأنّ المادة 5 من هذه الاتّفاقية التي تحدّد الحقوق المدنية المصانة تذكر صراحة في عدادها "حقّ التملك استقلالاً أو شراكة".
وبما أنّه من المُتّفق عليه أنّ هذه المواثيق الدولية المنصوص عليها صراحة في مقدّمة الدستور تؤلّف مع هذه المقدمة والدستور جزءاً لا يتجزّأ وتتمتّع معاً بالقوّة الدستورية.
وبما أنّه من المُتّفق عليه أيضاً في اجتهاد المجلس الدستوري اللبناني، كما في الاجتهادات الدستورية المقارنة، أنّ مبدأ المساواة الذي يتمتع بالقيمة الدستورية – وهو في لبنان مبدأ دستوري نصّي ورد في مقدمة الدستور وفي المادة 7 منه – ولا يمكن للمشترع الخروج عنه إلّا عند وجود أوضاع قانونية مختلفة ومميّزة بين الأفراد وعند اختلاف الحالات أو عندما تقضي بذلك مصلحة عليا، وإذا كان هذا التمييز مرتبطاً بأهداف التشريع الذي يلحظه: « Considérant que le principe d'égalité ne s'oppose ni à ce que le législateur règle de façon différente des situations différentes ni à ce qu'il déroge à l'égalité pour des raisons d'intérêt général, pourvu que, dans l'un et l'autre cas, la différence de traitement qui en résulte soit en rapport avec l'objet de la loi » .
Le principe d'égalité dans la jurisprudence des cours constitutionnelles et institutions de compétence équivalente ayant en partage l'usage du Français Bulletin no 1 Septembre 1998, p. 153 (Extrait d'un arrêt du Conseil Constitutionnel Français) .
وبما أنّه لا يرد على ما تقدّم بأنّ التشريعات السابقة المتعلقة باكتساب غير اللبنانيين الحقوق العينية العقارية في لبنان، لم تكن جميعها تميِّز بين الرعايا العرب أنفسهم، بل كانت تفرد لهم نظاماً واحداً بهذا الخصوص، لأنّه من المعتمد أيضاً أنّه يحقّ للسلطات الدستورية أن تكون دائماً متمكّنة من تعديل سياستها وتشريعاتها في ضوء متغيّرات المصلحة العامة: « D'une manière générale, les pouvoirs publics doivent pouvoir adapter leur politique aux circonstances changeantes de l'intérêt général » .
(op. cit. p. 51).
وبما أنّ المصلحة العليا يمكنها أن تبرّر أيّ قيد لحقّ الملكية، حتى فيما يتعلّق بالمواطنين أنفسهم، على رغم أنّ حق الملكية في هذه الحال هو حق مُصان دستوراً". « C'est avec une grande force que le conseil affirmait la valeur constitutionnelle du droit de propriété . Mais il ajoutait aussitôt comment devait être compris ce droit … il subit des « limitations exigées par l'intérêt général » , ce dernier étant laissé à l'appréciation du législateur » .
L'intérêt général dans la jurisprudence du Conseil Constitutionnel, Marie – Pauline Deswarte, Revue française de droit constitutionnel, no 13-1999, p. 46.
وبما أنّ معظم الدول قد وضعت في تشريعاتها قيوداً لاكتساب الملكية وممارستها من غير رعاياها، ومنها كما هو معروف دول يجمع بينها الانتماء العربي، وهي قيود قد تصل في بعض هذه الدول إلى حدّ الحظر المطلق بالتملك حتى للرعايا العرب أنفسهم. (القرار الرقم 2/2001 تاريخ 10/5/2001 صادر عن المجلس الدستوري اللبناني).
وبما أنّه يُستفاد من كلّ ما تقدّم أنّ من حقّ الدولة اللبنانية، في ضوء مصلحتها العليا، أن تقرّر وضع القيود التي تحدّد مداها لاكتساب غير اللبنانيين أو بعضهم تحديداً الحقوق العينية العقارية في لبنان، إذ تمارس في ذلك حقّاً سياديّاً محفوظاً لها على الأرض اللبنانية، لها دون سواها، بحيث يحقّ لها أيضاً أن تلجأ إلى منع التملك بالمطلق لغير اللبنانيين أو بعضهم ممّن لا يحمل جنسية صادرة عن دولة معترف بها، أو إذا كان هذا التملك يتعارض مع سياستها العليا في رفض التوطين المكرّس بالفقرة /ط/ من مقدّمة الدستور، وكان من شأن هذا التملك مخالفة المبدأ الدستوري برفض التوطين.
أمّا البلدان التي تضع قيوداً على انتقال الملكية العقارية فهي ليست بقليلة، فعلى سبيل المثال، ينصّ قانون الملكية العقارية في سنغافورة على أنّه لا يجوز تملّك أيّ مجموعة إتنية أو دينية أو غيرها في منطقة معينة أو في أحياء المدن أكثر من نسبة وجودها الديموغرافي فيها وهو ما يسمّى ﺒ"قانون الكوتا".
ولئلا نذهب بعيداً، فقد نصّت المادة الأولى من القانون الرقم 11 تاريخ 17/6/2008 المتعلّق باكتساب الحقوق العينية العقارية لغير السوريّين على جواز تملك غير السوريّين وحدة سكنية، كما لا يجوز أن ينتقل هذا الحق بالإرث، إذ على الوريث أن ينقل ملكيته إلى مواطن سوري تحت طائلة استملاكه لقاء دفع قيمته المقدّرة وفقاً لقانون الاستملاك سنداً إلى المادة الثالثة من القانون عينه، وإنّ من يخالف أحكام هذا القانون يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وبغرامة توازي قيمة الأموال التي يتناولها العقد الجاري عليها ملكيته وفقاً للمادة 12 من القانون عينه.
وإنّ المنفعة العامّة تتحقّق إذا ما هدف المشرّع إلى منع تغيير المعالم التاريخية والسياسية لمنطقة معيّنة بالاستناد إلى وسائل الإكراه المادي والمعنوي، الأمر الذي تتعطل معه إرادة البائع الحرّة الذي يقع ضحية تأثير المال عليه… لا سيّما إذا ما كان ذلك يحصل في بيئة جغرافية تجتاحها عمليات الشراء بالإكراه المتمثل بالعروض المالية السخية التي لا تتلاءم مع سعر الملكية الحقيقي ليس إلّا لحمل البائع على التخلّي عن أرضه تحقيقاً لمشروع سياسيّ أو مذهبي.
وإذا كانت المقارنة غير جائزة في هذا الصدد إلّا أنّه يقتضي الإشارة إلى أنّ اليهود اتّبعوا هذه الوسيلة (وسيلة الترغيب بواسطة المال) بغية شراء أراضي الفلسطينيّين من دون أن تتحسّب الدولة الفلسطينية إلى وجوب إصدار تشريع يقضي بمنع هذا البيع قانوناً (بين الفلسطيني واليهودي) بغية الحفاظ على أهمّ عنصر من عناصر قيام الدولة وهو الإقليم أو الأرض، الأمر الذي قضم العديد من الأراضي الفلسطينية تحت ستار ممارسة حقّ "الملكية المطلق".
وهذا ما يحصل حاليّاً في مدينة "فماغوستا " القبرصية الواقعة في قبرص الشمالية التركية التي احتلّها الأتراك عام 1974 وقد هجرها أهلها وهم من القبارصة اليونانيّين حيث يحاول القبارصة الأتراك شراء أراضيها بغية تملّكها كلّها وتغيير معالمها التاريخية. وفي إطار الترغيب المالي تمّ عرض مبلغ 30 مليار يورو لشرائها بأكملها في إطار المفاوضات الجارية بين القبارصة الأتراك والقبارصة اليونانيّين، الأمر الذي دفع بالعديد من النوّاب القبارصة اليونانيين باقتراح قانون يمنع بيع الأراضي الواقعة تحت الاحتلال التركي لأنّ أيّ عملية بيع تحصل في هذه المنطقة تكون حاصلة تحت وطأة الإكراه المتمثل أوّلاً بالاحتلال وثانياً بالترغيب المالي.
وفي هذا المجال نؤكّد أنّ القيود المقترحة على بيع الأراضي بين اللبنانيّين تأتي هنا للحفاظ على منفعة وطنية تتمثل في وجوب عدم استعمال الإكراه بمختلف أشكاله بغية التأثير في إرادة المالك أوّلاً وبغية عدم حصول فرز للسكّان على أساس مذهبي أو ديني أو عرقي…
وفي هذا الصدد أكّد المجلس الدستوري اللبناني الآتي: "بما أنّ وضع الملكية في حمى القانون يستتبع حتماً سَنّ القوانين التي تحمي هذه الملكية وتنظّم طرق اكتسابها وتضع حدود ممارستها، وهو ما فعله المشرّع اللبناني في هذا المجال". (قرار الرقم 2/2001 تاريخ 10/5/2001 صادر عن المجلس الدستوري اللبناني).
وفي هذا الصدد وعلى سبيل المثال أيضاً، وعلى رغم أنّ المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنصّ على أنّه:
"لكلّ شخص الحق في العمل، وله حرّية اختياره بشروط عادلة مرضية كما أنّ له حق الحماية من البطالة.
– لكلّ فرد من دون أيّ تمييز الحق في أجر متساوٍ للعمل.
– لكلّ فرد يقوم بعمل الحق في أجر عادل مُرضِ يكفل له ولأسرته عيشة لائقة بكرامة الإنسان تضاف إليه، عند اللزوم، وسائل أخرى للحماية الاجتماعية "…
إلّا أنّ العديد من الدول تضع قيوداً على هذا الحق بغية منفعة شعوبها، ففي لبنان تفرض ضريبة على اليد العاملة الأجنبية بغية منعها من منافسة اليد العاملة اللبنانية. وهناك نصوص تشريعية وتنظيمية أخرى قد صدرت في لبنان وأفردت أوضاعاً خاصة لغير اللبنانيين وأدخلت تمييزاً في ما بين هؤلاء، إن لجهة دخولهم إلى لبنان والإقامة أو لجهة العمل فيه، فصنّفت بينهم، سواء أكانوا من الرعايا العرب أو غير العرب.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى حقّ التمتع بالجنسية المنصوص عنه في المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنصّ على أنّ: "لكلّ فرد حق التمتع بجنسية ما، ولا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسّفاً أو إنكار حقّه في تغييرها".
فهل تمنح كلّ الدول هذا الحقّ بصورة مطلقة لأيّ فرد موجود على أراضيها؟ والمثل الصارخ على هذا الأمر في لبنان يتمثّل بعدم تمكّن المرأة اللبنانية المتزوّجة من أجنبي أن تمنحه الجنسية.
إذاً ليس هناك من حقّ مطلق "بالمطلق" بل إنّ القانون يأتي لينظم هذه الحقوق بما يتلاءم مع الدستور وبما يتلاءم مع حاجات المجتمع أيضاً.
فالدستور عينه يأتي ليمثّل المجتمع الساكن، أمّا القانون فيمثّل المجتمع المتحرّك على ما قاله Cormenin في العام 1830. (راجع في هذا الصدد:P. Lauvaux : Pratiques politiques et réalités sociales, Paris 1953, p. 15).
فالدستور إذاً يعكس صورة المجتمع الساكن، والقانون يعكس صورة المجتمع المتحرّك، وقد طلب تلاميذ آرسطو إليه يوماً دستوراً نموذجيّاً فأجابهم بكلمته الخالدة: "صِفوا لي أوّلاً الشعب الذي تطلبون دستوراً له مع تحديد زمانه ومكانه وظروفه الاجتماعية والاقتصادية فأضعه لكم".
(عبده عويدات: النظم الدستورية في لبنان والبلاد العربية والعالم، منشورات عويدات، الطبعة الأولى، 1961، ص 595).
إذاً فإنّ الدستور يأتي ليعطي التركيبة المجتمعية لكيان معيّن إطاراً دستوريّاً يكون صورة عنها. ولا حاجة بنا للتذكير بأنّ الجماعات التي كانت تقطن الكيان اللبناني على اختلاف المحطّات التاريخية التي مرّ بها أنّ الدستور جاء ليُثبت وجودها في وطن إسمه لبنان وفي دولة تعيش فيها هذه الجماعات وتحافظ فيه على تراثها وتقاليدها وتمارس حقوقها ومعتقداتها في إطار القانون.
وقد قال خالد قبّاني في هذا الصدد: لبنان أكثر من غيره من الأوطان قد صنعه ماضيه ولا يمكن فهم أوضاعه الدستورية والسياسية والاجتماعية إلّا من خلال هذا الماضي الذي أعطاه شكله وميزاته وسماته الفارقة وصورة وجوده الحالي. (خالد قبّاني: "ثوابت النظام اللبناني وآفاق المستقبل"، "إشكاليّات السلام في لبنان وآفاقه"، صادر عن جمعية متخرّجي المقاصد الإسلامية في بيروت، 1993، ص 468).
وإذا كان لبنان مؤلّفاً من جماعات دينية أراد الدستور أن يحافظ على وجودها التاريخي في إطار كيان موحّد تعيش فيه معاً، فليس من المعقول أن تؤدّي عمليّات شراء أراضي وعلى نطاق واسع (سواء أكانت تحصل ضمن مخطّط أو لا) إلى تغيير الملامح التاريخية لهذا الوطن، الأمر الذي يؤدّي معه إلى زوال وجود بعض الجماعات التي يتألّف منها هذا الوطن.
فإذا غابت هذه الجماعات (بعد فقدانها ملكيتها) أو اندثرت أو هاجرت أو أصبحت لاجئة في وطنها، وبات لبنان بمثابة فندق لها ليس أكثر، فماذا يبقى من النظام التعدّدي أو نظام الجماعاتSystème polyarchique "الذي لطالما تميّز به لبنان كثروة حضارية تشكّل غنى للشرق والغرب معاً؟
وإذا قيل في مشروع بيع الأراضي بين اللبنانيّين أنّه يقيّد حق الملكية، فهو يحمي بعضهم من ضعفهم، خصوصاً الذين تنحصر أذهانهم لدى بيع عقاراتهم بما يحقّقون من مكاسب ماليّة، فيقعون تحت تأثيرها من دون النظر إلى مسألة الحفاظ على تركيبة لبنان التاريخية والحضارية ومدى تأثير هذه البيوعات عليها. وعلى حدّ ما قالهMachiavel Gouverner c'est prévoir".
وإذا كان الاستشراف للمستقبل أهم دور يقوم به الحاكم، فهل لنا أن ننقذ لبنان من ضعف وجشع بعضهم، فنحمي ماضيه وتراثه وغناه الحضاري عندما يكون المشرّع قد حقّق مصلحة دستورية متمثلة بالحفاظ على تركيبة لبنان كقيمة حضارية وتشكّل هذه المصلحة مصلحة عليا للدولة اللبنانية. فيضع المشرّع حدّاً لكلّ هذه التصرّفات لئلّا يضمحلّ وجود إحدى الجماعات الأساسية التي يتكوّن منها لبنان لكي لا تصبح لاجئة في هذا الوطن، وقد نصّت مقدمة الدستور اللبناني، في الفقرة أ، "على أنّ لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه…"، ولم تنصّ على أنّه وطن نهائي لجزء من أبنائه! وإنّ استمرار هذه البيوعات سيؤدّي إلى فقدان الأرض التي تملكها إحدى المجموعتين التي يتألف منهما لبنان.
كما نصّت الفقرة ط من الدستور على أنّ "أرض لبنان واحدة لجميع اللبنانيين فلكلّ لبناني الحق في الإقامة على أيّ جزء منها والتمتع به في ظلّ سيادة القانون فلا فرز للشعب على أساس أيّ انتماء كان".
وإنّ ما يحصل من بيوعات من شأنه أن يؤدّي إلى فرز وانحسار مجموعة من اللبنانيين في منطقة معينة وانتشار مجموعة أخرى مكانها.
كما أنّ الفقرة ط من مقدّمة الدستور نصّت أيضاً على أنّ "أرض لبنان أرض واحدة لجميع اللبنانيّين". ولم تنصّ على أنّ هذه الأرض هي لجزء من اللبنانيّين! كما لا يجوز الاعتداد بالجزء المكمّل لهذه الفقرة التي تنصّ على أنّه… "لا فرز للشعب على أساس أيّ انتماء كان ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين"، للقول بعدم جواز تنظيم بيع الأراضي بين اللبنانيين لمدّة معينة. كما لا يجوز القول إنّ هذا النص لا يتناول نتائج التصرّف بالحقوق الشخصية والاقتصادية للمواطنين، لأنّ لكلّ نص دستوري مبرّراته وغاياته حيث ينطلق المشرّع من دوافع ويسعى إلى تحقيق أهداف معينة بغية تحقيق المصلحة العامّة وألّا يكون النص الدستوري من دون قيمة تذكر.
فلا يستقيم والحال هذه القول إنّ الدستور لم يتناول النتائج الناجمة عن التصرّف بالحقوق الشخصية لا سيّما إذا كانت هذه التصرّفات من شأنها أن تغيّر هوية الوطن. وعليه فإنّ المشرّع الدستوري يبغي دائماً أفضل النتائج من النص الذي يقرّه. وقد جاء في هذا الصدد: "L'examen global du texte constitutionnel peut être pris autant de fois qu'on le désire et seulement le meilleur résultat du texte constitutionnel compte …
www. Conseil constitutionnel. fr/cons.
وإذا كان الهدف من نصّ الفقرة ط يهدف إلى منع التجزئة أو التقسيم أو التوطين، فإنّ عدم وضع قيود على قانون الملكية العقارية سواء أكانت تلك المقترحة في مشروع قانون بيع الأراضي بين اللبنانيين أو في مشروع مماثل يؤدّي إلى تحقيق الغاية المنشودة من خلال إقرار بعض القيود الموَقّتة على حق الملكية، فإنّ ذلك من شأنه أن يؤدّي إلى فرز الجماعات، وعلى سبيل المثال لا الحصر فإنّ كلّ المنطقة المحيطة بالمجلس الدستوري في منطقتَي الحدث والشيّاح بات يملكهما بمعظمهما غير المسيحيّين بعد العام 1990 وحتى اليوم، بعدما كانت ملكاً للمسيحيّين، وهذا ما سيؤدّي في المستقبل القريب ببعض اللبنانيّين أن يصبحوا لاجئين في أرضهم.
لِذا نصّ الدستور اللبناني على أنّ حقّ الملكية هو مادة قانونية وليس دستورية، فنصّت المادة 15 منه على "أنّ الملكية في حمى القانون" وليست في حمى الدستور، وبالتالي فإنّ القانون يأتي ليضع القيود والضوابط لممارسة هذا الحق بما يتلاءم مع أحكام الدستور ووفقاً لما بينّاه أعلاه.
وإذا كانت هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل قد أبدت رأيها في هذا الصدد حيث انتهت إلى القول بعدم دستورية مشروع القانون المقدّم من النائب بطرس حرب الذي يهدف إلى وقف بيع الأراضي بين المسلمين والمسيحيّين لمدّة خمس عشرة سنة، هذا فإنّ التعليل الذي استند إليه هذا الرأي لا يبرّر النتيجة التي تمّ التوصّل إليها، لا سيّما أنّ هذا الرأي أخذ النص الدستوري بحرفيته من دون التطلع إلى النتائج المتوخّاة من هذا النص كما جاء ليهمل العديد من الفقرات الواردة في مقدّمة الدستور، إن لم نقل إنّه أهمل النتائج التي ستسفر عنها البيوعات العقارية المشبوهة، الأمر الذي تضحي معه فلسفة مقدّمة الدستور ومسوّغاتها خالية من أيّ مضمون. فيضحي الحديث عن لبنان مجرّد ذكرى ترسّخت في ذهن المشرّع الدستوري وغابت عن بال المشرّع القانوني وكأنّه ليس أميناً على الأمانة التاريخية والحضارية والدستورية التي أنيطت به.
وأخيراً، وعلى رغم أنّ رأي الهيئة إستشاري ليس إلّا، لأنّ هذا القانون أو أيّ قانون مماثل يكون مقبولاً لدى اللبنانيّين (كقانون الكوتا أو قانون الشفعة العقارية من قِبل أبناء البلدة أو البلدية أو منع البيع من غير اللبنانيين مع إقرار حقّ الإيجار الطويل الأمد…) بعد إدراكهم الغاية التي من أجلها أُنشئ هذا الوطن، فإذا سلك طريقه نحو الصدور يكون وحده المجلس الدستوري الجهة الصالحة للقول بدستوريته أو عدم دستوريته إذا ما تمّ الطعن به.