#dfp #adsense

نظام عاجز على كل الجبهات!

حجم الخط

يبدو أن النظام السوري نسي أو يريد أن يتجاهل ان ما يجري في بلاده هو ثورة شعبية شاملة، سلمية عليه وليست انقلاباً عسكريا! ما زال يدفن رأسه حتى الآن في الرمل، ويرى في الثورة مجرد أحداث تقوم بها "عصابات" منفردة أو "جماعات إرهابية" منعزلة، أو مجموعات "أصولية" (سنية) تنشر الفوضى، وتهدد، الأمن خدمة للخارج، ونتيجة لمؤامرات "عالمية" يشترك فيها معظم الدول الغربية والعربية وتحديداً الخليجية وبالأخص قطر والسعودية… وصولاً إلى تركيا. (النظام السوري يحيّد اسرائيل. يا للمفارقة. مع أن هذه الأخيرة كانت بالنسبة إليه (وبالاتفاق معه) شماعة كل الاغتيالات والمجازر التي ارتكبها مع حلفائه من أبناء ولاية الفقيه).

يريد أن يتجاهل ان ما يجري ليس "أحداثاً" بل حدث جلل. حدث تاريخي مدوٍ، هو جزء من ثورات الربيع العربي التي انفجرت في 14 آذار ضد وجوده في لبنان، وفي تونس ومصر وليبيا واليمن وصولاً إليه، ولهذا تعامل مع هذه الظاهرة الفاصلة وكأنها مسألة أمنية تُعطل أو تضرب بالقمع أو بالسلاح، أو بالمذابح، أو الإبادة، أو التهويل، أو التهديد… المسألة "أمنية" في رأسه وفي خواطره، وفي افتراضاته (الخاطئة) لكنها على أرض الواقع أكبر من ذلك بكثير، بحيث عاد لا يستوعبها "منطقه" القاصر، وفهمه المبسط.هنا بداية ظهور أعراض عجزه. فالعجز يبدأ من التفكير، والتشخيص، والاقتناع، ويستمر إلى الأساليب والأدوات. لم يفهم النظام أن ثورة شعبية تحصى بالملايين لا يمكن أن تُعالَج بذهنية امنية. وانما بمقاربة سياسية. لم يفهم ذلك منذ الأعراض الأولى في دمشق (مظاهرة محصورة رائدة في دمشق)، ثم قمع أطفال في درعا. لم يعرف. وربما لن يعرف. العجز الفكري هو الذي أدّى إلى عجز الآلة العسكرية التي انفتحت بدبابتها وطائراتها ومدافعها وشبيحتها على المنتفضين. وماذا يمكن ان تفعل هذه الآلة العسكرية التي توجهها ذهنية أمنية قاصرة في مواجهة ثورة تتسع وتتسع حين تبلغ مختلف المدن والدساكر والمحافظات والمنازل والسطوح والشوارع والساحات وصولاً إلى قلبي العاصمتين الكبريين دمشق وحلب. ومن الطبيعي أنه عندما يقارب نظام ما ظاهرة بمثل هذا النوع بمفهوم عاجز… أن يؤدي بكل ما يُقدم عليه إلى عجز. من عجز إلى عجز. أي من هزيمة إلى هزيمة. أي من تفكك إلى تفكك. أي من ضعف إلى ضعف. ومن تلاشٍ إلى تلاشٍ. أوليس هذا ما حصل في تونس: ممانعة في فهم الثورة أدت إلى انهيار دولة بن علي. أوليس هذا ما حصل في مصر عندما تعامل نظام حسني مبارك مع ثوار الميدان وكأنهم حفنة متفرقة، عميلة، فاسدة، ولا ينفع معهم سوى قطعان من الجمال والحمير والأحصنة يعتليها شبيحة وبلطجية لتفريق الاعتصام. عقل بلا عقل. أو تصور طفولي (والطغاة يدركون القصور الصبياني كلما طغوا وغابوا عن الوعي وربّعوا أنفسهم على عروش الآلهة: من الأبد إلى الأبد). والقذافي ذلك "الحثالة" اختار ما اختار هؤلاء لكن بأفدح: الحرب الشاملة، وهذا ما فعله وان بمستوى أقل علي صالح. إذاًَ العجز متشابه بين هؤلاء، أقصد العجز السياسي الفكري الاجتماعي وهذا بالذات ما افضى إلى الثورات. فكم يتشابهون! والغريب أن الشعب العربي الذي كان يظنه أهل الطغيان قاصراً عن التفكير ومقعداً عن التحرك. وغائباً عن الوعي، وجباناً، وخاضعاً وذليلاً ومدجناً بالكرباج والسوط والقمع والقتل والارهاب والسجن والفقر. المفارقة أن هذا الشعب أبدى درجة عالية من الكفاءة في وعيه المرحلة، وفي إدراكه وفي اختياراته لأدوات ثورته السلمية. بدا أن هذا الشعب كان يختزن "التاريخ" اختزانَ الأرض الينابيع، لينفجر فالأنظمة هي التي بدت لاواعية، غريبة، مضروبة بالذهول والمفاجأة. وبدا الشعب وكأنه كان يحضر كل يوم، في داخله، وفي قسماته وفي صمته ثورته "البطيئة الجوفية"… ولهذا عرف كيف يوجه إلى الأنظمة ضربات قاضية (تونس ومصر) أو مواجهات مستمرة شجاعة، تليق بالثورات الكبرى (اليمن، ليبيا، سوريا). بدا ان هذه الأنظمة ذاهلة، لا تعرف ماذا يجري. وكأن القيامة قامت من حولها. او المعجزات اجتُرِحت حولها. وهنا كانت بداية العجز. وهنا اعراض الهزيمة.

في سوريا… ومنذ سنة وأكثر من أربعة أشهر. يزداد النظام جهلاً وتجاهلاً وعجزاً ويزداد الشعب استيعاباً لزمنه الجديد اي قوة وصموداً. فالنظام يعبّر عن "تعمق" عجزه باستمرار "ذهنيته" البطاشة، الأمنية، والشعب يعبر عن تعمق "قدرته" باستمراره في المواجهة السلمية المتزايدة وبالدفاع عن نفسه بالمنشقين عن الجيش الرسمي. وكلّما امعن النظام في تفاقم عجزه امعن في تفاقم ضعفه فأمعن في اللجوء إلى منطق "عليّ وعلى أعدائي" أي أو انا أو الخراب والطوفان والحريق والعدم من بعدي. انه منطق العاجز اولاً وأخيراً. ها هو كلما تقدم المنتفضون واكتسحوا مساحات ومناطق. واكتسبوا تأييداً عربياً وعالمياً وازدادت ثقتهم بأنفسهم وبربيعهم وبنضالهم يلجأ إلى آخر ما لديه: سياسة الأرض المحروقة الغبية. المذابح، المجازر، تدمير المدن، تهجير الناس، الاعدامات الميدانية، الاعتقالات العشوائية، السجون المكتظة… وكل ذلك يدل على تمسك هذا النظام بما يسقطه كل يوم. وكأنه، في مكان ما، هو الذي صنع ويصنع سقوطه (ككل الطغاة) عندما يظن أنه يصنع "نجاته" وهذا ما يفسر تكاثر عزلاته المتناسلة: العزلة الداخلية أولاً، انهيار الدولة، انشقاقات في الجيش. توسع الثورة. فالسلاح وحده عزلة العزلات. لم يبق له سوى آلته العسكرية التي يديرها بمنطق العاجز عن استيعابها مما يؤدي إلى عجز دورها. العجز السياسي يؤدي إلى عجز الآلة القمعية. وهذا من أبسط الأمور. هذا المنطق المشوش الموحل، أو الأحرى هذه الحلول الأمنية الجاهزة ، فشلت، وعلى النظام ان يعوض، لكن بالذهنية "القديمة" الرائجة: التعويض بمحاولة اعطاء هوية مذهبية للثورة. تصويرها وكأنها ثورة سنية، ارهابية، أصولية متصلة بالقاعدة (والقاعدة من عدة النظام: تذكروا حرب العبسي وهو مأجورهم في نهر البارد. صوّروه سلفياًَ. آنئذ ليتهموا "السنة" به وصولاً إلى تيار "المستقبل"). القاعدة إذاً صنعت الثورة الشعبية السورية. و"القاعدة" يديرها "معارضون" كبرهان غليون وميشال كيلو وجورج صبرا وأكرم البني، وصادق جلال العظم وحسين العودات وفايز سارة.. وكذلك المثقفون والشعراء والكتاب والفنانون كنوري الجراح ورشا عمران وسمر يزبك وحكم البابا وعلي فرزات.. فهؤلاء في نظر النظام جزء لا يتجزأ من "القاعدة"! وهو في نظر نفسه يكافح "ارهاب القاعدة" وهؤلاء لأنهم ارهابيون فهو وصم أكثرية شعبه بالارهاب. فاذا كان ذلك "صحيحاً" فهل تراه يحكم "شعباً" ارهابياً عليه اجتثاثه كله، او تغييره. انه منطق من أسقط في يديه. وهذه "القاعدة" التي تحارب هذا النظام العلماني (البعثي: ما شاء الله) الديموقراطي، الحضاري، الجماهيري، التعددي، غير العائلي، وغير "المذهبي".. ليست في سوريا بالنسبة إليه فحسب: بل هي ايضاً متفرعة إلى لبنان. ومن الطبيعي ان تكون "سنية" أصولية: فبن لادن سني لا تنسوا ذلك، وعليه لماذا لا يكون كل سنة الأمة العربية والإسلامية ارهابيين سلفيين أصوليين بن لادنيين!) إذاً هناك مناطق وصمت بالإرهاب في لبنان، تساند الارهابيين في سوريا: فطرابلس جاهزة، وطريق الجديدة وعكار… والبقاع وربما صيدا وربما وصولاً إلى فرنسا (ألم يتهم الشاعر العلماني الحداثي الثائر أدونيس فرنسا بدعم الارهاب، فلمَ لا تكون الجمهورية الفرنسية برئيسها ومكوناتها أصولية أيضاً وبن لادنية. لماذا لا تنضب يا أدونيس: كفاك مذهبية يا أخي!). فالمناطق لأنها سنية فهي ارهابية. ولأنها ارهابية فهي تريد أن تعلن حرباً على "الشيعة" كما اعلنت حرباً في سوريا على العلويين والنظام العلماني! أي لا مانع من "دمج" لبنان وسوريا… في معركة واحدة تكافح الإرهاب في البلدين تحت الشعار القديم "تلازم المسارين"! اي خلط الحابل بالنابل يرافق كل ذلك اطلاق شائعات بأن الجيش السوري.. سيضطر إلى التدخل لمنع انتقال الحرب القائمة في سوريا إلى لبنان. (عادت حليمة إلى عادتها القديمة: لكن هربت حليمة هذه المرة مع عاداتها القديمة).

وكانت "مبتكرات" عجز النظام.. افتعال معارك في طرابلس بين جبل محسن وباب التبانة أي بين عملائه وميليشياته المسلحة منه ومن حزب الجماهيرية العظمى الإلهي وبين اهل طرابلس، أي بين ميليشيات "علوية" وبين مسلحين سنة. اشعال فتنة يمكن ان تنتقل إلى مناطق أخرى. وسبق ان افتعل عميلهم المفدى شاكر البرجاوي معارك في طريق الجديدة… وهرب هروب الغزلان! اذاّ، يريد نظام "البعث" غير المنبعث وبأي ثمن، حرباً مذهبية في لبنان… لجعلها جزءاً من حربه على الثوار وهنا تتبدى مرة أخرى "ذهنية" العجز: فما كان جائراً وسارياً في الماضي لم يعد كذلك اليوم: هناك زمن جديد، وواقع جديد. ووعي جديد مقابل أسلحة قديمة، فكرية وسياسية وأمنية قديمة. صارت خردة كنظام الخردة . فالقديم القديم ينبشه النظام القديم ليواجه الانتفاضة الجديدة في بلاده، وكذلك 14 آذار في لبنان. ولكنه لا يريد ان يعترف (مع حلفائه الأبرار من أهل النار) بأنه قامت في البلدين الشقيقين بشعبيهما (وليس بالنظامين) ثورتان. الأولى اطاحته واخرجت جيشه ووصايته المعسكرة عن بلاد الأرز، والثانية في طريقها الى الانتصار. فالقديم كان يصلح للقديم، والجديد يصنع شباب الربيع المقبل، بصدورهم وأصواتهم ودمائهم وأفكارهم وأحلامهم. ونظن أن هذه "الممانعة" عن فهم العناصر "الطازجة" في البلدين تعود إلى "تخلف" مذهل في منطق القيمين في النظام العجوز. تخلّف في التصرف يؤدي كل يوم إلى ضعف متزايد حتى "صرخت "اسرائيل من حرقتها (عليه) انه الجولان مهدد لضعف النظام المزدوج: أمنياً وشعبياً واقتصادياً وعسكرياً… وشبيحة. وان المحاولات الجارية للاستقواء بالخارج روسيا الصين..) باتت (كما يبدو) على نهاياتها التراجيدية، باعتبار أن النظام نفسه لم يعُد جزءاً من "الحل" بل جزء من المشكلة المستعصية. واذا اعتبرنا ان الخارج يضم "لبنان" (وحدة المسارين تحت ارادة النظام) فان هذا الأخير لم يعُد "ملاذاً" آمناً.. أو "خشبة" خلاص، أو "قصاصة ضغط" أو "شيك مساومة أو مقايضة… بل انه افلت من كل هذه القيود، إلى درجة أن النظام كأنه بات عبئاً على حلفائه في لبنان (هذا ما يروى عن بعض الأحزاب المقاومة الكبيرة). لذا، فالنظام يريد توريط هؤلاء بافتعال مشكلات على الحدود اللبنانية السورية: خطف، وخروقات واعتداء على المنازل وقتل مواطنين لبنانيين ناهيك عن الوضع في طرابلس.

لكن كل ذلك ما عاد يجدي، لأن "الدولة" المتهاوية لم تعد قادرة حتى على "استثمار" ما ترتكبه وما يرتكبه بعض مرتزقتها الصغار (البرجاوي، رفعت عيد…) حتى ليمكن القول ان استنجادها بالمجازر في الحولة، وفي القبير وفي الحفة.. وكذلك احداث عاصمة الشمال وعرسال كأنما صار مجانياً. هروباً إلى الوراء لا إلى الأمام. وكسباً لوقت يفلت من أيديها، كالرمال أو يعلق عليها كالوحول (فالزمن حولوه وحلاً) بل وكأنما اشكال التهافت الأخير في العنف المتمادي، والقصف والاحراق في بلاد نزار قباني وبدوي الجبل اضافة إلى "الذبح الحلال" (على الطريقة الأصولية أو الدينية ) صار اعلان نهايات أكثر منه، اعلان بدايات وقلما التقت البدايات الطاغية بالنهايات العاجزة!

النظام العجوز (اياً تكن الوسائل القاتلة التي يستعملها في ما تبقى له من حياة) بات عجوزاً خصوصاً اذا اصيب بالالزهايمر… أو … الخرف، حيث باتت تختلط التواريخ والأمكنة والجغرافيات وخرائط الدم عليه ومساحات الاسترداد تلتبس وكأنها على جزْر طويل حتى لتقول (كما يقول العالم)، آه! ما أعجز هذا النظام! آه! ما أضعفه! آه! ما أشنع وداعاته.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل