منذ البداية، منذ الحكومة الأولى بعد الحرب، الكهرباء من اختصاص عصبة الحلف السوري في لبنان، لا يقرب منها لا الرئيس رفيق الحريري ولا الرئيس فؤاد السنيورة ولا أي رئيس حكومة برمتها. إنها حصن "الأوفياء" الذين سيصير اسمهم 8 آذار. الكهرباء في لبنان هي حكر على جماعة التوتر العالي، المتوترين باستمرار، المشرقطين بالويل والثبور تجاه كل من يسائلهم.
وريثهم الأخير، الشاب المكهرب دوماً، الوزير جبران باسيل، الضاحك بلؤم والصامت بلؤم، السعيد حتى النخاع بـ"تياره".. جاء الى وزارة الطاقة أخيراً شاهراً الوعود، موزعاً الاتهامات، ساخطاً وصاخباً، محتفلاً بنفسه باستعراضات دائمة، على شاكلة المؤتمرات الصحافية والخطب المهرجانية والندوات الإعلامية والمتلفزة. جاء "المخلّص" الكهربائي، صهر "المخلّص التاريخي"، رامياً بوجهنا المشاريع الافتراضية والخطط الورقية والبرامج الخيالية، وكلها مدعّمة بالأرقام والخرائط والرسوم البيانية والأفكار الجامحة، مكدّساً الملفات السميكة الى جانبه في كل لقطة تذكارية، موحياً لنا أنه النشيط، المثابر، المنهمك بالعمل، بورشات العمل الجبارة، سارداً على مسامعنا بصوت حاد، مكهرب ومعدني، كيف أنه هو العليم بكل شيء، وكيف أن كل من سبقه فاشل وفاسد، وكيف أن كل من حوله أيضاً فاشل وفاسد، وليس لنا من أمل سواه، ولا طاقة إلا إياه. وقلنا، نحن المواطنين، لندع السياسة جانباً. المهم أن تأتي الكهرباء ويأتي الحل أخيراً.. على أيدي جبران باسيل لا غيره.انتهت المؤتمرات الصحافية، التصريحات، الاجتماعات، الاقتراحات… انتهت الأفكار والدراسات والأوراق والمخططات، ولم تتبدد العتمة. مرت سنتان، ولم يخترق الظلام أي ضوء. بقي صوته وبقيت ابتسامته وبقيت نظرته المشهدية من دون أي ميغاواط إضافي. ولم نفهم أسباب هذا الفشل "غير المتوقع!"، وهذا التخبط الذي استحال عناداً منهكاً، قلنا: ربما أعداء النجاح يتربصون به، لنمنحه وقتاً إضافياً علّه يتغلب على الصعاب والمعوقات.
لكن الوزير في هذه الأثناء جعلنا نتوهم مثلاً أن أهالي المتن المعترضين على مرور خط التوتر العالي فوق رؤوسهم هم المشكلة الوحيدة التي تحول دون توزيع الكهرباء وانتاجها 24 ساعة على 24 ساعة، ثم جعلنا نتوهم ان نقص امدادات الغاز هو ما يحول دون تأمين الإنارة والطاقة، ثم أوهمنا أن عدم توافر الكميات المطلوبة من الفيول هو السبب، بعد ذلك ظننا أن التعدي على خطوط التوزيع وسرقة الكهرباء وعدم دفع الفواتير هي السبب في انقطاع التيار وقلة الانتاج، وأوحى إلينا الوزير باسيل في مرات أخرى أن الحل بين يديه، لكن الوزراء في حكومته وأعضاء مجلس النواب يتآمرون عليه، وبالتالي يتآمرون على الشعب اللبناني. لكنه في أحيان أخرى عبر عن رأيه بأن معضلة الكهرباء آتية من داخل الوزارة ذاتها، ومن مكاتب شركة كهرباء لبنان. فالموظفون فاسدون، برأيه، وهم سبب المشكلة. لكن ايضاً عدل في رأيه وأعلن أكثر من مرة أن معامل الإنتاج قديمة ولا يمكنها العمل بكامل طاقتها.. بل وحتى لو تسنى لها ذلك، فهي غير كافية ونحتاج إلى معامل جديدة.
وعندما وافقه الجميع، قرروا الإتفاق معه على بناء محطات توليد طاقة جديدة، إلا أنه سرعان ما اختلف مع الجميع. لا يريد تمويلاً من صناديق عربية ولا قروضا ميسرة، فهذه تفرض رقابة إدارية ومالية على المشاريع. وهذا ما لا يناسبه: اعطوني صلاحيات مطلقة، اعطوني مال الخزينة وأنا أتصرف على مزاجي ولا رقيب علي سوى ضميري. هكذا راح يصرح بأعلى صوته.
بعد سنتين، نسينا فيهما المشاريع الكبرى وخطط استجرار الكهرباء من هنا وهناك والمعامل الجديدة و"محاربة الفساد"، ونسينا "اللمبات" الاقتصادية والذكية التي اشعرنا الوزير كأنه هو مخترعها، تفتقت عبقرية هذا الشاب عن فكرة استئجار بواخر تولد الكهرباء وتبيعنا إياها، الفكرة الأشبه بالإهانة التي تلحق بأي دولة بائسة من دول العالم الثالث، التي تعجز عن بناء محطة طاقة، والتي لم تفكر فيها حتى دويلة حركة "حماس" في غزة"، قبلناها على مضض برجاء أن تتغلب على عتمتنا الجديدة.
لكن، حتى سفن "الخيال العلمي" تقريباً غرقت في مجاهل ملفات باسيل وأرقامه ورسومه ووثائقه. غرقت في دهاليز أوراقه وأدراج متاهة وزارته وحكومته.. وتبين على الأقل ان كلفتها المالية لا تحتمل وآثارها البيئية كارثية وإدارتها التقنية عويصة وغير عملية.. بل ولن تنتج ما يكفي حاجتنا من الكهرباء.
وقبل كل ذلك، تبجح الوزير بما هو عار على لبنان واللبنانيين، أي المولدات الخاصة. صار يربح اللبنانيين جميلاً بأنه "يدير" و"يراقب" و"يتدبر" أمر المولدات الخاصة، كما لو أنه هو الذي استوردها ووزعها بالعدل على الأحياء والزواريب والقرى. مليار دولار أميركي سنوياً هي خسارة الخزينة اللبنانية لقليل من التيار الكهربائي، عدا المليارات الأخرى التي ذهبت هباء وفساداً وسرقة منذ العام 1992 وحتى اليوم من دون أن نرى ضوءاً.
عشرون عاماً وكهرباء "الممانعة" ممتنعة، توجها عاماً جبران باسيل ليس في "معركته" الفاشلة مع الموظفين المياومين والجباة في شركة الكهرباء، ولا في سقوط مشاريعه الدونكيشوتية وخططه الوهمية، بل في الوعد الوحيد الذي حققه: الإمعان المتصاعد في تقنين ساعات التغذية بالكهرباء. (15 ساعة يومياً) وهذه المرة، الحق على الصيف. الطبيعة والمناخ والحلفاء والخصوم والموظفون تآمروا على الوزير وعلى "تياره".
الوزير الذي يظل على الدوام مكهرباً وحده، بسبب أو بلا سبب، هو عن حق واحد من أسياد عتمتنا التي طالت.