#dfp #adsense

مسيحيون قليلو إيمان بالربيع كثيرو خرافة بالخريف!

حجم الخط

أحياناً يُضطر التاريخ، وغصباً، إلى ان يدفع بالمسيحيين دفعاً نحو مصلحتهم. السبب أن شريحة واسعة منهم لا تعرف استخلاص عبَر التاريخ، على رغم حفظها غيبا، أسماء الممالك والملوك، وأزمان المعارك والمعاهدات والتحولات.

وما يزيد في الطين بلّة، ان بعض المسيحيين يحمّلون "ابطال تاريخهم" ميزات وصفات من إنتاج الخيال. والاشد فداحة حين يعظّمون شخصية حيث أخطأت، ويلومون أخرى حيث أصابت. هذا ما هو حاصل اليوم.

في نهاية القرن التاسع عشر، قرر أسلاف هؤلاء المسيحيين الذهاب الى الحج، ولم يلاحظوا ان المسلمين عائدين من هناك. قالوا بالقوميات والعلمنة، ولم يقتنعوا بأنّ الامر يحتاج الى وقت حتى لا يسود الاستبداد وتُستعمل الشعارات في غير اهدافها. واليوم ايضا ورثة تلك المقاربات، حكموا على الربيع العربي في "محكمة العجلة" من دون اي مهلة او تمهل. هم على عجلة من أمرهم، ومنذ مئات السنوات.

كلما جاء من اعتقدوه "بطلا"، حددوا بالايام والاسابيع قرب الفرج، فإذا انتهى الفرج الى خسارة، لعنوا الخونة والخارج! احتاجت المسيحية الى نحو أربعمئة عام لتصبح دين الامبراطورية الرومانية، ومسيحيو لبنان لا يصبرون على الربيع العربي سنوات أربعاً.

سأحاول في سطور قليلة ان أذكّر من يحفظ عن ظهر قلب، ويقلب الظهر عن أخذ العبر، انّ ثورات حلفائهم اليوم اخذت اوقاتا، وربما اطول، ممّا ستأخذه ثورات العالم العربي.

نسي بعض المسيحيين المعجبين اليوم بتجربة "الجمهورية الاسلامية" في ايران، انّ الخميني لم ينتصر لحظة نزوله من طائرة المنفى. كانت هنالك قوى علمانية وماركسية وليبرالية، ناضلت في الشوارع، ودخلت سجون الشاه، وقُتلت برصاص جيشه، الى ان وصلت مع الخميني الى السلطة.

ماذا حدث بعدها؟ كالمستجير من الرمضاء بالنار، بدأت مرحلة إبعاد واغتيال و"تخوين" شركاء الثورة "غير الخمينيين"، الاسلاميين منهم والعلمانيين.

احتاج الامر الى سنوات لينفرد الخميني بالسلطة التي تنال اليوم إعجابهم.

لماذا يحقّ لربيع ايران بفرصة زمنية، ولا يحق لربيع العرب؟ اليوم يتدخل مسيحيو لبنان والعالم العربي في مسألة الدساتير التي تُكتب. منهم من يُقارع ومنهم من يُحذر ومنهم من يرفض. في المقابل، ينقسم "اسلاميو الربيع" بين من يرفض، ومن يتذاكى، ومن يحاول الطمأنة، ومن يبحث في صيغ لغوية ترضي الجميع.

ثمّة نقاش. ثمّة أزمة لا يحاول الطرفان تجاهلها. على الضفة الايرانية وفي المسألة عينها ورد هذا البند في الدستور: "إن المذهب الجعفري الاثني عشري يبقى الى الابد المذهب الرسمي لإيران وغير قابل للتغيّر"! يا مسيحيي المشرق، لماذا تنسون مسيحيي ايران؟ انهم يأكلون ويشربون وينامون، وبغير الصحة لا يمكنهم ان يحلموا.

أنسيتم ان المسيح أشرق نجمه في بلاد فارس؟

ايضا وايضا، ثورة البعث في سوريا لم تنتصر من السنة الاولى. وحلفاء آل الاسد من المسيحيين اللبنانيين غاب عن ذاكرتهم انّ حافظ الاسد احتاج الى سنوات ليقصي الاخرين.

ليتهم أخذوا من الاسد صبره، ولا شيء غير الصبر. نَحو عقد من الزمن، صارع حزب البعث احزاب الماركسيين والناصريين والقوميين السوريين، حتى استتبت له السلطة.

ثم بدأ "حافظ الاسد العلماني" بإزاحة البعثيين السُنة، والبعثيين الدروز، والبعثيين العلويين. "حركة تصحيحية" انتهت بحكم العائلة، ثم وصلت الى العائلة نفسها. أُبعِدَ الاخ رفعت الاسد، لأنه قام بمجزرة حماة، وكأن رفعت قام بها من دون إذن اخيه، او كأن رفعت لم يشته مُقتنى اخيه! آل الاسد رحماء مع المسيحيين لأن الرحمة في طبعهم، ولأن مشاركة المسيحيين في سلطة الاسد كانت مشاركة حقيقية! اليوم يقول بشار للمسيحيين: معنا كنتم تأكلون وتشربون ولم يتعرض احد لكم في انواع الطعام والشراب. ويقول الثوار: ستكونون في حال افضل، لكن المسيحيين يحبون تجربة المجرَّب!

في لبنان تجربة نظام آل الاسد مع المسيحيين كانت أفظع. نسي البعض ما حلّ بالمسيحيين من ظلم وقهر. نسي ان آل الاسد دعموا "القوى الوطنية والاسلامية" في نظرتها الى السلطة والسياسات الداخلية والخارجية. حتى آل فرنجية حين ارادوا التمدّد الى الكورة على حساب القوميين السوريين، لم يقف اصدقاء العائلة الى جانبهم. تركوا لهم قضاء زغرتا، وشخصيات يمكن بسرعة تغيير ولاءاتها في عكار والكورة والبترون.

لكن كلمة آل فرنجية لم تكن اثنتين. اذا طالبوا بمسيحي مخطوف رَدّه الجيش السوري بسرعة. اذا طالبوا بوزارة لبّوا الطلب ايضا. كرمى لآل فرنجية لم يُقتل او يُهجّر كثر من مسيحيي الشمال، وبقي هؤلاء المسيحيون يأكلون ويشربون بحرية.

هذا التسامح السوري مع آل فرنجية أنسى القول المأثور "ليس حبّاً بمعاوية إنما كرهاً بعلي"!

ريمون اده، من اهم الامثلة التي تظهر فضائل حكم آل الاسد على المسيحيين. الكتائب والاحرار والجبهة اللبنانية رفعت السلاح والمقاومة المسلحة في وجه آل الاسد، فاضطر النظام السوري اضطرارا إلى جَبه "المشروع الاسرائيلي" في لبنان، عسكرياً ومخابراتياً. قصف وقتل واغتال "لمنع المؤامرة".

ريمون اده عارض الجبهة اللبنانية وسوريا، فتعرض لمحاولة الاغتيال من منظمة "الصاعقة" السورية. لم يحمل سلاحا ضد الجيش السوري بل كلمات ومواقف أدّت الى لجوئه الى باريس حتى لا تنجح محاولة الاغتيال الثانية.

البعض اليوم يريد إقناع المسيحيين انه أكثر علماً وأكثر ذكاء وأكثر شجاعة من ريمون اده، وبيار الجميل وكميل شمعون، وفؤاد بطرس والياس سركيس، وسمير جعجع… ومار نصرالله بطرس صفير!

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل