تنظر أوساط ديبلوماسية عربية معنية بمراقبة الوضع اللبناني بكثير من الحذر الى المستقبل القريب لهذا الوضع وسط ما تعتقد انه سباق متوازن بين الجهود للمحافظة على الحد الادنى من الاستقرار الامني واحتمالات زعزعته كلما مضت الأزمة السورية نحو الغرق في الفوضى والدماء.
ولفتت الاوساط لـ"الراي" الكويتية إلى ان الاسابيع الاخيرة أبرزت نوعاً من التقاطع الضمني الدولي – الاقليمي على الحفاظ على الاستقرار اقلّه في الظروف الحالية التي يقترب منها لبنان من خطر الانزلاق الى زعزعة امنية، مشيرة الى ان الاتصالات التي اجرتها وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون بكل من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي والرئيس سعد الحريري اثبتت ان الولايات المتحدة تدفع بقوة نحو عدم تقديم لبنان هدية لتعويم وضع النظام السوري، وهذا جوهر الحركة التي تولتها كلينتون، علماً ان ثمة معطيات لم تُكشف تفيد ان نبرة كلينتون مع ميقاتي كانت حازمة حيال بعض المسائل المتعلقة بالتحذير من مغبة تقديم اي خدمات للنظام السوري.
وفي المقابل أشارت الاوساط الى ان تصرف "حزب الله" وسلوكه ينمّان اكثر فاكثر عن تمايز الاجندة الايرانية عن الاجندة السورية، وان ايران لا ترغب في الظروف الحالية على الاقل، في وضع حليفها ونفوذها في لبنان في "محرقة مبكرة" لن تفيد منها ويصعب معها ايضاً ان تقدم اي خدمة للنظام السوري الممعن غرقاً في أزمته.
وفي ضوء هذين العاملين ترى الاوساط الديبلوماسية ان لبنان قد لا يواجه خطر انزلاق وشيكاً الى متاهة الزعزعة الامنية، لكن ذلك لا يشكل ضماناً كافياً لاستبعاد هذا الاحتمال باعتبار ان ثمة ادوات متفلتة لدى النظام السوري يمكنها دائماً ان توظف ضعف السلطة اللبنانية والتركيبة الهشة فيه اذا اشتدت حاجة النظام الى اظهار قدرته على التلاعب بالمسرح اللبناني. يضاف الى ذلك ان اشتداد الصراع الدولي والاقليمي على الأزمة السورية يعرّض لبنان اكثر لدخول لاعبين آخرين، ناهيك عن الخطر الذي يواجهه جراء الازمات الاقتصادية والاجتماعية المستفحلة فيه.
ورأت الأوساط ان الحكومة اللبنانية وان كانت حظيت بتمديد فترة السماح لاستمرارها وبقائها حتى اشعار آخر، فانها ستواجه في القريب العاجل استحقاقات لم تعرفها من قبل، وهي ناجمة عن تصاعد الازمة السورية التي يرجح ان تكون اشهر الصيف بمثابة بلوغها الذروة في المواجهات بين النظام ومعارضيه وهذا الامر سيجعل مسألة الحدود اللبنانية – السورية بمثابة استحقاق داهم لا مفر للحكومة من وضع حد حاسم للسخونة التي تطبعها والتي تهدد بنقل الازمة الى الداخل اللبناني. وهو ما يفرض وضع خطة امنية شاملة واستثنائية لم تأخذ بعد مجراها وتستلزم غطاء سياسياً جدياً وامكانات غير عادية عسكرياً ولوجستياً وبشرياً.
يضاف الى ذلك ان مسار الحوار الذي بدأ في قصر بعبدا ويُستكمل في 25 الجاري لن يكون على المتانة والاستمرار المطلوبين ما لم يقترن هذه المرة بخطوات فعلية تترجم ما سمي "اعلان بعبدا" الصادر عن الجلسة الاولى التي عقدت في 11 الجاري. وهي عوامل تشكل في مجموعها عناصر التحدّي الذي سيشهده لبنان لمدّة طويلة وسط ميزان حساس وشديد الهشاشة في السباق بين التهدئة والتوترات.