
كتبت صحيفة "المستقبل":
يقود رئيس تكتل "الإصلاح والتغيير" العماد ميشال عون، منذ أيام، حملة عنوانها "هبات ضائعة"، موحياً بأنها سُرقت ليحمِّل حكومتَي الرئيسين سعد الحريري وفؤاد السنيورة مسؤولية "ضياع" 6,5 مليارات دولار (بعدما كانت 5 مليارات) قال إنها ذهبت "كلها" إلى مصارف وسُجلت بأسماء أشخاص.
فمن أين أتى عون برقم الـ5 مليارات، الذي ما لبث أن عاد وأضاف إليه 1,5 مليار دولار؟ وهو لم يوفر من افتئاته حتى مصرف لبنان والقطاع المصرفي حين ادّعى أنه عندما حاول أعضاء لجنة المال والموازنة النيابية معرفة الأشخاص الذين أُودعت الأموال في حساباتهم "واجهتهم السرّية المصرفية".
الواضح أن "أمين سرّه"، رئيس اللجنة النائب ابراهيم كنعان، قد "سرّب" له هذه "المعلومة" من التقرير الذي رفعه الى اللجنة وزير المالية محمد الصفدي في 12 حزيران، والذي تناول فيه نتيجة تدقيق الوزارة بالهبات التي قرر مجلس الوزراء قبولها.
وهو تقرير يُفترض أن تناقشه لجنة المال والموازنة في اجتماعها اليوم.
إلا أن المستغرب أن الصفدي – وهو الذي وقّع التقرير – لم يتنبه الى الخطأ الجوهري الوارد في أحد مراسيم السلف الواردة في المستند الرقم 3 تحت عنوان "الهبات المقدمة لصالح وزارة الطاقة". اذ أورد الجدول المرفق بالتقرير قيمة الهبة الصادرة بموجب المرسوم الرقم 5797 تاريخ 27/6/2001 على أنه 3,9 مليارات دولار، فيما هو في الواقع 3,9 ملايين دولار. مجرد زيادة في الأصفار لم يحسن قراءتها لا موقّع التقرير ولا ناقل الأرقام.
وهذا يعني أنه بمجرد تصحيح الأرقام، فإن مجموع قيمة الهبات التي حصلت عليها الدولة اللبنانية، خلال الفترة الممتدة من عام 1993 وحتى سنة 2010 ضمناً، يكون 2,6 ملياري دولار وليس 6,5 مليارات دولار وفق حسابات عون الشعواء.
ومن أصل الـ2.6 ملياري دولار، فإن أبرز الإدارات التي حصلت على تلك الهبات هي:
ـ الهيئة العليا للإغاثة، 1,3 مليار دولار تقريباً، خصص القسم الأكبر منها لإعادة الإعمار نتيجة "عدوان تموز".
ـ مجلس الإنماء والإعمار، 0,5 مليار دولار تقريباً، خصصت لمشاريع منفذة في مختلف المناطق وفي القطاعات كافة.
ـ دعم الخزينة اللبنانية بمبلغ 0,3 مليار دولار تقريباً، دخلت الخزينة لسداد نفقات الدولة.
ـ والباقي أفادت منه الوزارات كافة وخصص لمشاريع اتفق عليها ونفذت بإشراف الواهب ومتابعته.
وكان مكتب الرئيس السنيورة قد أعد تقريراً مفصلاً بكيفية استلام وإنفاق هذه الهبات.
أما ما ابتدعه عون حول ما سمّاه بهتاناً "سرقة" الهبات، فهو أمر مجافٍ للواقع، باعتبار أن كل الحكومات المتعاقبة بين 1993 و2010 قد التزمت بما نصت عليه القوانين، سواء قوانين الموازنات التي أجازت التصرف بالهبة وفق مشيئة الواهب، أم القوانين الخاصة التي ترعى عمل المؤسسات العامة وبعض الإدارات المستقلة التي تمسك حسابات مستقلة عن الخزينة اللبنانية والتي أجازت لها قبول هبات وإنفاقها بعد موافقة مجلس الوزراء، على أن تقيد هذه الهبات ضمن حساباتها.
هذه الحسابات المفتوحة في مصرف لبنان المركزي، ليست حسابات خاصة لأفراد أو أشخاص محددين، كما يدّعي عون مضللاً. بل هي حسابات باسم الإدارات التي تصرفت بها بعد موافقة الواهب على الصرف، وفي كثير من الأحيان بعد توقيعه على عمليات الإنفاق.
على أي حال، لا بد من الإشارة الى أن النائب جمال الجراح تقدم بطلب إنشاء لجنة نيابية تتولى التحقيق والتدقيق في حسابات الإدارات والمؤسسات العامة على اختلافها، لا سيما الاستثمارية منها وغير الاستثمارية والصناديق المستقلة، خلال الفترة الممتدة من تاريخ انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل ولغاية 31/12/2011، على أن تشمل صلاحية هذه اللجنة المساهمات والمساعدات والهبات ومدى تخصيصها للغاية التي مُنحت لأجلها.