بوفاة الامير نايف بن عبد العزيز تخسر المملكة العربية السعودية احد ابرز اعمدة الحكم فيها، ليس لانه كان وليا للعهد ونائبا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرا للداخلية فحسب، بل لانه اضطلع على امتداد نصف قرن تقريبا بدور قيادي ومحوري في شتى مجالات المسؤولية منذ كان اميرا لمنطقة الرياض عام 1954 الى ان صار وليا للعهد.
ويشكل غيابه خسارة كبيرة للمملكة وللدول العربية والاسلامية، وقد كانت له بصماته وسياساته الحكيمة سواء في حزمها او في حلمها، وخصوصا حيال الارهاب الذي استهدف المملكة وغيرها، والذي استغلته الصهيونية بعد هجمات "القاعدة” في اميركا لتصوير المسلمين على انهم ارهابيون. لكن نجاحه في معالجة هذه الظاهرة دفع مجلس الامن عام 2007 الى اصدار بيان يشيد بالمملكة بعدما ثبت ان سياسة المناصحة التي طبقتها تمكنت من تطويق الارهاب ومعالجة جذوره في حين عجزت المعالجات العربية والدولية في هذا المجال.
ولعل هذا ما دفع مؤسسة "كارنيغي” الى اصدار ملف حول هذه السياسة اطلقت عليه اسم "الاستراتيجيا اللينة”، التي اعتبرها البيت الابيض انجح اسلوب لمواجهة الفكر التكفيري والتطرف، والتي تم اعتمادها في الجزائر ومصر واليمن واندونيسيا.
ستبقى بصمات الراحل الكبير ماثلة فوق الاستقرار الذي وفرته سياسة المناصحة ليس للسعودية وحدها بل للامن الخليجي والعربي، وكذلك للتفهم والاستقرار في العلاقات بين الغرب والاسلام بعدما كانت الصهيونية قد ذهبت بعيدا في تصوير كل عربي على انه ارهابي. وليس سرا ان الامير محمد نجل الامير نايف هو الذي يتولى مجلس "ادارة الامن الفكري” الذي يعمل وفق نظرية الراحل التي دعت الى الوقاية واعادة التأهيل والنقاهة اي "محاربة الفكر بالفكر قبل محاربته بالسلاح” وعلى اساس ما ردده دائما من ان الامن ليس معالجة عسكرية بل بناء اجتماعي وظيفي نفسي وفكري، وهو ما يشكل معنى "الاستراتيجيا اللينة” التي تقوم على التوعية والتوجيه وفق مدرسة تعمّد مؤسسها ان تكون قواعدها نتاج تعاون بين وزارات الداخلية والتربية والشؤون الاجتماعية بحيث لا يقتصر عملها على معالجة الانحراف بل على الحيلولة دونه قبل حصوله.
كان الامير نايف عميدا لمجلس وزراء الداخلية العرب، وقد تولى الداخلية السعودية منذ عام 1975 وكان له دور حاسم في السهر على الامن الخليجي وفي ترسيم الحدود بين المملكة واليمن. ثم انه تولى رئاسة اللجنة العليا للحج والعمرة ما يعني انه اوجد تنظيما دقيقا لترتيب زيارة اكثر من اربعة ملايين من المؤمنين سنويا الى المملكة.
وكان صديقا محبا للبنان واللبنانيين واشرف شخصيا كرئيس اللجنة العليا للمساعدات على مدار الساعة على ايصال المساعدات الى اللبنانيين وخصوصا خلال الحرب الاسرائيلية صيف 2006.