كان يُفترَض أن تشكّل الانتخابات الرئاسية في مصر حدثاً تاريخياً يُحتفى به في العالم بأسره. فقد كان متوقّعاً أن تكون الرمز المشرق لحركة شبابية ألهمت الشعوب في مختلف القارات والبلدان. لكن السباق الرئاسي وضع إسلامياً من "الإخوان المسلمين" في مواجهة رئيس وزراء سابق هو من فلول نظام مبارك، فيما حل ممثّلو الثورة في المرتبة الثالثة بفارق كبير أو خرجوا من السباق.
صحيح أن "الإخوان المسلمين" أعلنوا فوز مرشّحهم محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية، بيد أن العسكر الذين يحكمون البلاد أو المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو اللاعب الحقيقي الذي يستطيع أن يغيّر قواعد اللعبة في هذه الانتخابات كما في مستقبل مصر. فقد انتزع لنفسه سلطات واسعة جداً على الحكومة قبل إعلان نتائج الانتخابات، مما أثار غضب أطراف كثيرين في المعارضة إلى درجة أن البعض اعتبرها ديكتاتورية عسكرية. وكان المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد حلّ مطلع الأسبوع المنصرم مجلس الشعب الذي يسيطر عليه "الإخوان المسلمون"، في خطوة أثارت ارتدادات عبر العملية الانتخابية المهتزّة أصلاً. ورداً على ذلك القرار الخطير، علّق الناشط في مجال حقوق الإنسان حسام بهجت في صفحته على "تويتر": "شهدت مصر للتو أنعم انقلاب عسكري".
في إشارة إلى الحال الذهنية للثوّار، تابع بهجت: "كنا سنعبر عن الغضب لو لم نكن منهكين إلى هذا الحد". يصف هذا الكلام بدقّة ما يشعر به الملايين من أبناء الثورة وبناتها الذين خاب أملهم بعدما كافحوا طوال عام 2011 ولا يزالون يناضلون حتى الآن، أولاً من أجل إطاحة حسني مبارك من السلطة ومن ثم تحقيق التغيير الذي يشكّل حاجة ماسّة في بلادهم وحياتهم. إنهم منهكون. لقد استُنفِدت طاقتهم إلى درجة أنهم باتوا عاجزين عن إظهار حجم الغضب الذي يشعرون به إزاء فرض العسكر سيطرتهم على البلاد، فيما أسفرت الانتخابات الديموقراطية الأولى تشهدها البلاد عن وصول "الإخوان المسلمين" إلى السلطة. فالجماعة التي كانت محظورة في عهد مبارك لم تكن لها مساهمة تُذكَر في الثورة، حتى إنها وعدت بعدم تقديم مرشّح للرئاسة. ومع ذلك، انظروا ما آلت إليه الأمور.
إذاً كيف أمكن حصول ذلك، وما الذي يعنيه بالنسبة إلى الأحداث التي شهدها العالم العربي خلال السنة ونصف السنة المنصرمة، سواء كنّا نسمّيها صحوات أم ثورات أم تمرّدات؟ ما هي الرسالة التي توجّهها الانتخابات الرئاسية المصرية إلى الناشطين الذين لا يزال نضالهم من أجل الحرية في مرحلة التخطيط، أو الناشطين الذين هم في قلب المعركة كما في سوريا أو البحرين؟
عوض الابتهاج بالانتخابات، يشعر كثرٌ بالحنين إلى الحمى التي اجتاحت ميدان التحرير قبل عام ونيف، والسقوط السوريالي لحسني مبارك. لا تزال أصداء الهتافات والأناشيد تتردّد في آذاننا؛ تلك التي ارتفعت للمطالبة بالتغيير والديموقراطية الحقيقية والازدهار، وحلم التخلّص من قيود ديكتاتورية مبارك. لكنها استُبدِلت الآن بأصوات القلق والمبادرة سريعاً إلى التحرّك، فالأيام والأسابيع المقبلة سوف تكون أساسية لمصر الجديدة. حتى إنه قد يتبيّن أنها أهم من أحداث 2011 التاريخية في رسم مستقبل مصر.