كتب جورج شاهين في صحيفة "الجمهورية":
تُجمع المراجع الديبلوماسية الغربية واللبنانية على أنّ كلّ السيناريوهات المتداولة أخيراً في شأن الوضع في سوريا قد صرفت النظر عن الممرّات الإنسانية عبر الحدود اللبنانية إلى داخلها، ما قد يعزّز فرص نجاح طاولة الحوار في تكريس حياد لبنان والنأي به عن تردّداتها، ولكن كيف سيتصرّف اللبنانيون، وهل سيقتنصون الفرصة؟
عزّزت التقارير الديبلوماسية والاستخبارية التي وصلت إلى المراجع اللبنانية هذه القراءة، على رغم حجم التحضيرات التي أنجزت منذ اشهر طويلة في إطار التوجّه إلى بناء منطقة عازلة على الحدود السورية وسط خيارات متعدّدة رسمت لها السيناريوهات، أوّلها على الحدود التركية عندما أسرعت حكومة أنقرة لاستقبال النازحين السوريين لديها لاجئين فنظّمت لهم المخيّمات الكبيرة، وبعدها إلى الجانب الأردني الذي اتّخذ إجراءات مماثلة اعتبرت تمهيداً لمثل هذه الخطوة، قبل أن تتصاعد الاتّهامات والإدّعاءات بأنّ هناك من يفكّر في استخدام الأراضي اللبنانية موطِئ قدم لمثل هذه المساحة العازلة.
مناطق عازلة أردنية أو تركية
إلى ذلك، كشفت التقارير أنّ التحضيرات لمثل هذه الخطوات كانت جدّية للغاية منذ أشهر عدّة. وقد وضعت من أجلها الاتّفاقات الأمنية والاستخبارية السرّية في ظروف معقّدة للغاية توصّلاً إلى فرض أمر واقع جديد، وسط المعطيات الآتية:
– كانت الولايات المتّحدة الأميركية تستعدّ لمغادرة العراق وفي هاجسها عدم توفير أيّ تواصل مباشر بين إيران وحزب الله في لبنان كما سوريا عبر الأراضي العراقية فسعَت إلى ترتيب الأمور مع جيران العراق لئلا تترك الساحة خالية للإيرانيين.
– التنسيق المباشر مع تركيا لأسباب عدّة أعقبت انضمام الأتراك في تشرين الثاني إلى مشروع الدرع الصاروخية. وتعهّدت بتسهيل كلّ ما يتّصل بتعزيز قدرات القواعد الأميركية فيها في إطار نشر قواعد الدرع في المنطقة. ولهذه الغاية أنجز الأميركيّون تركيب مصانع عسكرية في تركيا لتصنيع صواريخ الكروز التي ستبدأ إنتاجها نهاية العام الجاري 2012 والتي ستكون جاهزة لتسليح قوّاتها البحرية بها والتي يمكن استخدامها في الحروب الإقليمية في المستقبل.
– الولايات المتّحدة ساعدت تركيا على تعزيز قواها في البحر الأسود وعلى حدودها مع إيران وسوريا ما سمح لها بنشر احتياطييها على طول الحدود السورية.
– واشنطن باشرت نشر بوارجها العسكرية في البحر الأبيض المتوسط وقبالة الحدود اللبنانية والسورية تحديداً لاستخدام خطواتها كلّها في ممارسة المزيد من الضغوط على سوريا وتوجيه رسالة إلى الأسطول الروسي الذي أحيا حركة بوارجه بين الموانئ الروسية وقاعدة طرطوس الروسية التي تستضيفها سوريا من سنوات عدّة.
– تجهيز القاعدة الأردنية في بلدة الرمتة شمال المملكة الأردنية بالأسلحة الثقيلة وتخزين فائض من الأسلحة المتوسّطة تمهيداً لاستخدامها في عمليّات تدريب للجيش السوري الحرّ وتجهيزها لإدخالها إلى منطقة جنوب سوريا وتحديداً إلى درعا مهد الانتفاضة السورية.
والى هذه المعطيات التي كانت قائمة على قدم وساق استعداداً لإنشاء المنطقة العازلة على أراض سورية في جنوبها أو شمالها، تحدّثت معلومات كثيرة عن دخول خبراء فرنسيّين إلى الأراضي السورية من الحدود التركية بهدف تعزيز قدرات الجيش السوري الحرّ في الداخل. لكنّ هذه المعلومات بقيت دون مستوى تأكيدها. لا بل فقد بقي الحديث السوري عن اعتقال مجموعة من الخبراء الفرنسيين في بابا عمرو من ضمن الرواية الإعلامية السورية الدعائية. ذلك أنّ السلطات السورية التي كانت تحتاج حدثاً مماثلاً لم تكشف عن أيّ منهم، فبقيت هذه المعلومات على لائحة الشائعات السياسية والإعلامية السورية.
الثورة السورية سبقت المناطق العازلة
وفي معزل عن هذه الاستعدادات التي كانت قد قطعت أشواطاً بعيدة، تقول المراجع الديبلوماسية المطلعة والمعنية، إنّه واستناداً إلى ما توافر من معلومات، فإنّ كلّ هذه الخطوات تجمّدت، خصوصاً تلك التي تعنى بإنشاء المنطقة العازلة لأسباب عدة أبرزها سقوط الحاجة إليها في ظلّ التدهور "الأمني المريع في الداخل السوري" الذي تحدثت عنه التقارير الغربية تزامناً مع سحب سفرائها من سوريا وقطع علاقاتها الديبلوماسية بالنظام. ذلك أنّه وبالمفهوم الغربي للمواجهة، فإنّ تحوّل مدن ومناطق داخلية كبرى إلى بؤر خارجة عن سلطة الدولة السورية دفع باتّجاه خطوات أخرى، فبات الحديث عن تدخّل عسكري خارجي مستبعداً طالما أنّ المطلوب قد يتوافر بقوة المعارضة والجيش السوري الحرّ من الداخل.
على وقع هذه المعلومات التي كانت قد بلغت المراجع المعنية بوسائل ديبلوماسية متعدّدة، كان القرار اللبناني بالإفادة إلى الحدود القصوى من تبرئة لبنان ممّا يصرّ النظام السوري على اتّهامه به، فكانت الدعوة إلى طاولة الحوار التي أكّدت سياسة النأي بالنفس وتحييد البلاد عن التردّدات السلبية التي قامت في سوريا إلى اليوم، وممّا هو آت لأنّه سيكون على ما يبدو أعظم بكثير ممّا حصل إلى اليوم.
هل سيستفيد لبنان من براءته؟!
وعليه يبقى السؤال المطروح اليوم على اللبنانيين هل سيستفيد لبنان من هذه الأجواء الدولية، فيكرّس بقرارات ذاتية داخلية أجواء التهدئة التي يحرص العالم كلّه عليها أكثر من بعض اللبنانيين؟ ومن دون انتظار الجواب، يجمع الديبلوماسيون على أنّ أمام طاولة الحوار مناسبة قد لا تتكرّر مرة أخرى، فهل ستعزّز أجواء التهدئة بدءاً من جلسة الإثنين المقبل ويبدأ حوار هادئ حول وظيفة لبنان ودور السلاح من خلالها، فيلاقي حزب الله اللبنانيين بمشروع استراتيجيته التي طال انتظارها؟