#dfp #adsense

ميقاتي.. والموقوفون “الانتخابيون”

حجم الخط

كتبت صحيفة "المستقبل":

لا شكّ في أن قرار المحقق العدلي في قضية حوادث "نهر البارد" غسان عويدات، القاضي بإطلاق 14 موقوفاً من المسجونين منذ خمس سنوات بهذا الملف، أو الذين اصطلح على تسميتهم بـ"الموقوفين الإسلاميين"، هو قرار صائب وحكيم رغم أنه جاء متأخراً كثيراً، لكن هذا القرار الذي أثلج قلوب أهالي الموقوفين التسعة الذين عادوا ليتنشقوا هواء الحرية أمس، يطرح الكثير من الأسئلة عن توقيت الإفراج عن هؤلاء بعد إبداء النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا مطالعته بالأساس في هذا الملف، وقبل ساعات من صدور القرار الإتهامي الذي يحيل الملف برمته مع الموقوفين على المجلس العدلي.

لكن الحقيقة الكامنة وراء هذه القضية هي سياسية بامتياز وغير مرتبطة بالمبادئ القضائية، والعارف بخفايا هذا الملف لا يحتاج الى كبير عناء ليكتشف أن وراء الأكمة ما وراءها. فقضية الموقوفين الإسلاميين كان طرحها أو مناقشتها من المحرمات قبل سنة ونصف السنة أو سنتين، لأنه عندما كان يحمل لواءها نواب تيار "المستقبل" وقياديوه كانت موضع تخوين وإتهام، على إعتبار أن من كان يطالب بإطلاق أي من هؤلاء الموقوفين في ظلّ حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الثانية وفي عهد حكومة الرئيس سعد الحريري كان مثار شبهة، ويوضع في خانة المعتدين على الجيش اللبناني، بذريعة أن من بين هؤلاء الموقوفين من حاربوا الجيش وقتلوا عدداً من جنوده وضباطه في "نهر البارد"، متناسين أنهم هم من وضع الخطوط الحمر أمام هذا الجيش في تلك المعركة ولم يكن مقدراً للجيش أن ينتصر في تلك المعركة لولا الغطاء السياسي والدعم المادي والمعنوي الذي وفرته له حكومة الرئيس السنيورة.

أما اليوم، ومنذ أن تولّى نجيب ميقاتي رئاسة حكومة "حزب الله" بات بحث مظلومية الموقوفين الإسلاميين مسألة فيها نظر، ومذ ذاك بدأت إزالة العراقيل السياسية وحتى القانونية المصطنعة من أمام هذا الملف، فانطلقت الماكينة الميقاتية بزخم لافت معتمدة على نفوذ "زعيمها" الذي جنّد بعض المحامين لهذه المهمّة، فكانت فاتحة الموضوع إطلاق عدد من هؤلاء الموقوفين من قبل المحكمة العسكرية ومنهم الشيخ نبيل رحيّم، وما تبعه وصولاً الى الحلقة الأخيرة أمس، وهو ما حوّل هذه القضية من قضية سجناء مظلومين ومقهورين الى ما يشبه ظاهرة "إتجار بالبشر" ولكن من منظور المصلحة السياسية والإنتخابية دون سواها.

فإذا كان رئيس الحكومة جعل من هذه القضية المحقّة إحدى وسائل تعويم نفسه شعبياً في طرابلس، بعد أن أخفقت حكومته سياسياً وخدماتياً وإنمائياً وإقتصادياً وسياحياً، فإن السؤال المشروع هو "ماذا تغيّر ليتحوّل ما كان مستحيلاً منذ أشهر مباحاً اليوم؟" وإذا كان القانون يجيز ذلك بإعتبار أن من يطلق سراحهم ليس لديهم جرائم خطيرة وتجاوز توقيفهم المدة التي قد يحكم عليهم بها كما أعلن وزير العدل شكيب قرطباوي أول من أمس، فلماذا إستمرّ توقيفهم الى هذا الوقت؟. وإذا كانوا بالفعل على هذا الواقع، فلماذا وضعت العراقيل السياسية أمام القضاء طيلة هذه المدة؟. ما هو المبرر القانوني لتدفق عشرات طلبات إخلاء السبيل الآن الى مكتب المحقق العدلي وتسريب معلومات عن إطلاق دفعات جديدة في الأيام المقبلة مع الرجاء طبعاً الموافقة عليها بالكامل؟.

بعيداً عن الغوص في كل هذه الأسئلة والإستنتاجات، ترى مصادر مواكبة أن "هذه القضية الإنسانية تستغلّ في السياسة الى أقصى الحدود". وتؤكد المصادر لـ"المستقبل"، أن الرئيس نجيب ميقاتي "وجد في هذا الملف حبل نجاة لتعويم نفسه طرابلسياً بعد النقمة الشعبية العارمة عليه والمتأتية من حرمان طرابلس الخدمات على كل الصعد وصولاً الى بلوغ الوضع الأمني في المدينة أسوأ ما كان عليه حتى أيام الحرب الأهلية".

وبحسب المصادر فإن "خطة ميقاتي التعويمية تقابل بمحاولة إفشال من بعض حلفائه، وهذا ما تجلّى من خلال عرقلة قرار الإفراج عن كل الذين أمر المحقق العدلي القاضي غسان عويدات بإطلاقهم، عبر المسارعة الى وضع إشارة على ملفاتهم من قبل المحكمة العسكرية التي يعرف اللبنانيون أين تكمن مرجعيتها السياسية، وهو ما حال دون تخلية سبيل خمسة موقوفين". وترى المصادر ان "هذه العرقلة مقصودة مئة في المئة، لأنها تبقي حال التوتر والغضب عند أهالي الموقوفين أولاً، وتبقي ميقاتي في وضع غير مريح كفاية أو تظهره غير صادق بوعوده أمام الطرابلسيين".

أمام هذه الوقائع، ثمّة من يسأل عمّا إذا كان بإمكان ميقاتي أن يحقق إنتصارات إضافية في هذا الملف، ولا سيما أن أكثر من فريق من حلفائه ينصب له الكمائن ليردّ له الصدمة التي وجهها له في ملفات أو صفقات أخرى، وما حصل أمس في تنفيس بهجة إطلاق الموقوفين الـ14 خير دليل على أن الطريق لن تكون معبدة له دون غيره من الفريق الحاكم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل