أعاد مشهد إقفال طريق مطار بيروت تذكير اللبنانيين أن الشريان الرئيسي للبلد يخضع لسيطرة "حزب الله" ونفوذه من ألفه إلى يائه، الأمر الذي يجعل المواطنين رهائن لدى الحزب والبيئة الحاضنة له، ويؤكد أن أمن المطار وسلامة الطيران المدني مكشوفان، ولا حاجة هنا لإعادة استحضار ملف المدرج 17 أو معرفة المجرمين بعودة الشهيد جبران تويني من باريس واستعجالهم اغتياله بعد ساعات على وصوله.
لم يعد مسموحا التسليم بهذا الواقع الذي يعرفه الجميع تمام المعرفة: المطار يخضع لسلطة "حزب الله" لا الدولة اللبنانية، وتحوّل بعد انطلاق الثورة السورية وسقوط الجسر البري بين إيران ولبنان إلى الرئة الوحيدة التي يتنفس منها وتوفر له المستلزمات اللوجستية على أنواعها، هذا فضلا عن أن حركة الذهاب والإياب تجري بعلمه وإشرافه ومراقبته…
وعلى رغم أنّ الرهان الأساسي لمعالجة هذا الملف الحيوي، وغيره، يتوقف على تطورات المنطقة من سقوط النظام السوري إلى إخضاع النظام الإيراني، إلّا أن هذا لا يعني تأجيل كل الملفات ربطا بهذه التطورات، وفي طليعتها ملف مطار بيروت الذي يجب الإقرار أن التطور الديموغرافي جعله في قلب البيئة الشيعية، وبالتالي خاضعا لابتزازها واسترهانها في شتى الأمور السيادية منها، وصولا إلى الاحتجاجية كما حصل في ملف المخطوفين، وكأن إقفال طريق المطار يشكل وسيلة ضغط على المعارضة السورية لإطلاقهم.
ومن هنا فإنّ الحاجة إلى مطار آخر باتت أولوية قصوى، لأن المسألة غير مرتبطة فقط بتحولات خارجية تشكل حلاً لهذه المعضلة، إنما بمزاج هذه البيئة الذي قد يبقى "معوكرا" ورافضا الانخراط في مشروع الدولة لعقد من الزمن، ومواصلا استخدام هذا المرفق لابتزاز الدولة في الشؤون الكبرى والصغرى. وبالتالي، بات مُلحاً إخراج المطار من كونه مادة ضغط واستخدام سياسيين، وهذا الأمر غير ممكن في وضع المطار الحالي الذي يستدعي استحداث مطار جديد.
وهذا الاستحداث ليس مسألة تفصيلية أو شكلية أو لزوم ما لا يلزم، إنما حاجة وطنية مسيحية-إسلامية، وتتجاوز البعد الإنمائي على أهميته لجهة تنشيط الدورة الاقتصادية والإنماء المتوازن وتوفير مئات فرص العمل، إلى البعد السيادي والاستراتيجية، كما لجهة حرية الأفراد في تنقلاتهم وحفظ كراماتهم ونزع ورقة ابتزاز وضغط من قبل "حزب الله" الذي يتخذ من مطار بيروت الواقع تحت سيطرته رهينة، والأسوأ أن الحزب يحول دون ترجمة البيان الوزاري لحكومته الميقاتية، ومن ثم موافقة مجلس الوزراء والجيش اللبناني على تشغيل "مطار رينيه معوض" في القليعات.
إن تشغيل مطار القليعات يشكل قيمة إنمائية مضافة لمنطقة الشمال وقيمة وطنية مضافة للبنان، ولا يجب أن تسمح القوى المؤيدة للمشروع بوضعها في الموقع الدفاعي عبر طروحات تخوينية وتشكيكية سخيفة بأهداف هذا المشروع، من قبيل أن طرحه يحمل أبعادا فدرالية وطائفية، أو أنّ لتوقيته علاقة بالأزمة السورية والكلام عن منطقة عازلة وممر آمن وتوفير تسهيلات للمعارضة السورية، أو بأن الولايات المتحدة تريد مرفقا بعيدا عن عيون "حزب الله، إنما يجب على القوى المؤيدة لهذا المشروع أن تكون في الموقع الهجومي برفض مواصلة الخضوع للمنطقة العازلة الشيعية والممر الآمن لإيران على البحر المتوسط والمرفق البعيد عن عيون الدولة اللبنانية.
إن تشغيل مطار القليعات بات مسألة حيوية لا تحتمل المماطلة والتسويف، وهذه الخطوة يجب أن تترافق مع مواصلة الضغط على "حزب الله" لرفع يده عن مطار رفيق الحريري الدولي، لأن المقصود هو التفلّت من وصاية الحزب وليس التأسيس لمرافق مذهبية.
