كثيرة هي الأخطاء المهنية المميتة، أي التي تؤدي الى موت شخص أو أكثر نتيجة الإهمال أو الجهل أو عدم الكفاءة. وفي رأس القائمة تقع الأخطاء الهندسية والأخطاء الطبية.
ذلك أن خطأ هندسياً كفيل بأذيَّة أو قتل عمال ورشة أو سكان مبنى أو المارة على الطريق، فيما الخطأ الطبي قادر على إعاقة أو تشويه أو قتل المريض.
والغريب ليس في أن الخطأ يقع، ففي كل الأرض يُخطىء المهندسون والأطباء وغيرُهم، لكنهم يُعاقَبون بحسب أخطائهم، فلا يضيع الحق ولا يتعرض الناس للخطر.
أما في لبنان، فبرغم العدد الكبير من المباني والطرقات المنهارة، وبرغم وفاة الكثير من المرضى نتيجة أخطاء طبية، لم نرَ محاسبة فعلية للمخطئين، وفي غالب الأحيان نشهد لفلفة للموضوع أو تعتيماً عليه، وكأن الأخطاءَ قدرٌ فلا تقعُ مسؤوليتُها على أحد.
ومردّ ذلك الى غياب قضاء مختص بالأمور الهندسية والأمور الطبية، والى استناد القضاء مرغماً الى تقرير لجان التحقيقات الخاصة في كل من نقابات الأطباء، وأطباء الأسنان، والمهندسين، عند وقوع حادثة أو رفع شكوى ضد منتسب الى إحدى هذه النقابات.
وليس أمام النيابة العامة أو قاضي التحقيق في حال عدم اقتناعه بتقرير لجنة التحقيقات التابعة لأي من النقابات المذكورة، الا أن يستعين بخبير طبيب أو بخبير مهندس ليعطي رأيه المهني بالقضية.
وهنا بيت القصيد، إذ أن أعضاء لجان التحقيقات في النقابات، كما الخبراء المنتسبين الى هذه النقابات، يحاولون، لألف سبب وسبب، حماية زملائهم في المهنة فيخففون من أهمية الخطأ وتنتهي القصة في غالب الأحيان بتوجيه تنبيه أو لوم الى مرتكب الخطأ وفي حالات جد قليلة بتوقيفه مؤقتاً عن العمل.
لقد حان الوقت لكي يقوم المشترع بوضع القوانين اللازمة لإنشاء محاكم مختصة بالأمور الهندسية والطبية كما هي الحال في العديد من دول العالم، أو أن يسمح للنيابات العامة بإدخال خبراء من حملة شهادات الطب والهندسة في ملاكها الثابت ممن هم غيرُ منتسبين الى هذه النقابات. ذلك أن الطبيب أو المهندس غيرَ المنتسب الى النقابة والمتفرغ في ملاك القضاء، قادر على إعطاء تقرير غيرِ منحاز وعلى توجيه الإتهام لمرتكب الخطأ.
يبقى أن نؤكد أن للإعلام دوراً أساسياً في حماية الناس عبر الإضاءة على مشكلاتهم وعبر الدفع باتجاه تحقيق العدالة وتحديث القوانين. وما التطاول والتحريض على الإعلام الا جهلاً برسالته وبدوره. فلربما وَجَب تذكير الناقمين على الإعلاميين وعملهم في قضية وفاة ريتا زغيب وجنينها أن ناقل الكفر ليس بكافر، وأن مستحقَ العقاب هو الكافرُ وليس فاضحُ كفرِه.