#dfp #adsense

“النهار”: البطريرك الراعي وانتظارات الشعب المسيحي

حجم الخط

كتب بيار عطاالله في صحيفة "النهار":

كرر البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في الآونة الاخيرة لازمة الدعوة الى عقد اجتماعي جديد، ما شكل لبسا لدى كثيرين من المتابعين لمواقف رأس الكنيسة المارونية حيال ما يقصده من وراء هذا الكلام، في غمرة هذا المخاض العربي الخطير تحت مسمى "الربيع العربي" والتغيير والديموقراطية. اضافة الى ان كلام الراعي تقاطع، بطريقة او بأخرى، مع دعوة امين عام "حزب الله" السيد حسن نصرالله الى مؤتمر تأسيسي، ما دفع وتيرة التساؤلات والتكهنات عن تنسيق، او تفاهم ما، تنسج خيوطه تحت الطاولة بين رأس المؤسسة الكنسية المارونية ورأس "الشيعية السياسية"، ما يحمل الكثير من علامات الاستفهام ويعيد الى الاذهان مشاهد تحالفات اقلوية اثبتت فشلها وعقم نتائجها على المدى البعيد. لكن الامور ليست على ما تبدو، ذلك ان الراعي يحصر همه، على ذمة دوائر قريبة منه، في اعادة احياء مفهوم "الميثاق الوطني الذي اقامه المسلمون والمسيحيون على الثقة المتبادلة العام 1943".

هذه الاشكاليات كانت موضوع نقاش عميق في بكركي ودوائرها، واستنادا الى وزير الشؤون الاجتماعية السابق سليم الصايغ، فإن ثمة فارقا كبيرا بين الدعوة الى ميثاق وطني جديد وميثاق اجتماعي جديد. في رأيه ان ثمة خلطا للمفاهيم بين الدعوة الى نظام سياسي جديد يتبناها امين عام "حزب الله" ربما، والعمل على وضع نظام اجتماعي اكثر عدالة ويوفر عملانيا معاني الكرامة الانسانية والفعل التنموي لابناء الشعب اللبناني عموما والكنيسة خصوصا. وينقل الصايغ عن البطريرك الماروني سؤاله بكل تجرد: "اذا استطعم انجاز عقد اجتماعي مع هيئات المجتمع المدني، فلماذا لا يمكن للسياسيين ان يقوموا بهذا الامر؟". والجواب البديهي لدى الصايغ: "إن الحوار مع هيئات المجتمع المدني يختلف تماما عن الحوار والكلام على ميثاق جديد ومؤتمر تأسيسي، في حين ان المسدس موجود على الطاولة". ما يعني بكلام آخر ان ثمة عدم تكافؤ في اي مؤتمر تأسيسي في ظل هيمنة منطق السلاح على اجواء الحوار.

ثلاثية البعد

لكن سيد بكركي لم يتأخر عن دعم فكرته وتبيان ملامحها خلال عظته الاخيرة الاحد الثالث من زمن العنصرة، عندما تحدث شارحا رؤيته، او مقاربته، الى "ميثاق وطني اجتماعي جديد" معتبرا: "ان المجتمع البشري الذي نعيش فيه لا يمكن ان يوفر للانسان كرامته وعيشه الكريم، وللجماعات عدالة وازدهارا وامنا وسلاما، ما لم يُبن على ميثاق يكون اساسه الميثاق الذي اقامه الله مع الجنس البشري". وحسما لكل اشكالية في هذا الشأن، وكي لا يعتبر كلامه حصرا بالشأن الاجتماعي وسعادة الفرد والعائلة، اتبع البطريرك الراعي شرحه في الفقرة السادسة من عظته الاخيرة بالتشديد على ان دعوته الى ميثاق وطني اجتماعي جديد" انما كانت تعني العودة الى ميثاق "عيشنا الوطني الاجتماعي الاول، المعروف بالميثاق الوطني". ويمضي الراعي في شرح كلامه بأن ثمة حاجة الى "تجديد هذا الميثاق بعد 70 سنة بعد الانحراف عنه وعن جوهره، وبلغنا الى ما نحن عليه من ازمة سياسية وفقد للثقة. واندفع الراعي بعدها ليشرح اسباب دعوته الى "تجديد الالتزام بالميثاق الوطني"، محددا جوهر الميثاق بأبعاد ثلاثة: لا تبعية للبنان والحياد الملتزم بين قضايا الشرق والغرب"، ثم "نظام ديموقراطي يفصل ما بين الدين والدولة ويقوم على المساواة بين المواطنين والمشاركة العادلة واحترام الحريات العامة وحقوق الإنسان"، وصولا الى "الولاء للدولة على قاعدة التعددية والتنوع في الوحدة".

نقاش مبدئي

يقول الصايغ ان اعلان البطريرك الراعي يمهد الامور لنقاش مبدئي، لكن البحث في النظام السياسي، برأيه، يجب ان يوصل الى اللامركزية الموسعة، واعتماد قانون انتخاب يخدم فكرة المناصفة ويؤمنها في شكل حقيقي، اذ لا يجوز ان تستمر الامور على ما هي عليه. وبرأي الصايغ من المهم جدا "تأمين امور الناس الحياتية وتطوير مؤسسات الدولة من دون تعريض وحدتها للخطر". والاهم بالنسبة اليه "ان لا شيء مقدسا سوى حماية التنوع والتعددية اللبنانية (…)".

في قراءة مرجع كنسي مشارك في حمأة هذا النقاش، فإن القضايا السياسية مهمة جدا، "ولكن الناس بحاجة الى الدخول الى المستشفى وزيارة الطبيب، وارسال اولادها الى المدارس، وتأمين ضمان الشيخوخة للعجزة والمساكن للمتزوجين الجدد، وتاليا ان جهد الكنيسة يجب ان ينصب على كيفية التفاعل مع هموم مليون ونصف المليون مسيحي منتشرين في ارجاء لبنان وتعيش غالبيتهم تحت وطأة ظروف قاهرة اجتماعيا واقتصاديا وتنمويا وانعدام كل اشكال الخدمات (…)".

وبرأي المرجع الكنسي فإن الشعب المسيحي استبشر خيرا بانتخاب البطريرك الراعي، او كما يحب ان يصفه "بشارة الراعي" الذي خاطبهم ويستمر على مدى سنين عبر اللقاءات الشعبية ووسائل الاعلام المرئية والمسموعة، ويعتبرون تاليا ان الراعي هو الاكثر فهما واطلاعا على الظروف الصعبة التي يعاني منها المسيحي في لبنان. وهذا ما يفرض عليه الانخراط في الشأن التنموي – الاجتماعي بقوة، مع عدم التخلي عن الدور القيادي لسيد بكركي في الحياة الوطنية اللبنانية.

ويمضي المرجع قائلا ان دعوة البطريرك الى عقد اجتماعي جديد يجب الا تفهم على غير ما هي عليه، بل هي صرخة تتجاوب مع حاجات الشعب المسيحي الذي ينتظر افعالا من سيد بكركي، خصوصا انه البطريرك الماروني الاول الذي وصل الى كل مسيحيي الاطراف في الجنوب والشمال والبقاع مستمعا الى حاجاتهم ومستطلعا احوالهم. و"الشعب يريد ان يرى افعالا على مستوى التنمية والاوقاف والتصدي لشراء الاراضي". ويعود المرجع الى مكتبته مستحضرا مقررات المجمع الماروني للعام 2006 والتي، برأيه، تشكل الدافع نحو ميثاق اجتماعي ووطني جديد.

 

المصدر:
النهار

خبر عاجل