#dfp #adsense

على مقاعد.. “خوش آمديد”

حجم الخط

"خوش آمديد" (أي أهلاً وسهلاً باللغة الفارسية) بكل اللبنانيين في قسم اللغة الفارسية وآدابها في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية. "خوش آمديد" بكل الطلاب الذين يحبّون في العام المقبل 2012-2013 أن يلتحقوا بالقسم الفارسي الذي أُنشئ بقرار من رئيس الجامعة الوطنية الدكتور عدنان السيد حسين في الجامعة الوطنية.

حقا، إنه تأثير الثقافة الإيرانية التي تنخر في عظم بعض المسؤولين في لبنان، فيستثنون الثقافة واللغة العثمانية وآدابها ليختاروا منها التبّولة وبعض التشريعات التي ما زال هؤلاء المسؤولون يعملون بها في ملاك مسؤولياتهم حتى اليوم!

وبالإستناد الى اتفاق بين الجامعة اللبنانية وجامعة طهران، بعيدا عن أي اتفاق أو مرسوم بين الدولتين، وقّع وزير التربية والتعليم العالي الدكتور حسان دياب قرار السيد حسين.. مسقطاً من "توقيعاته" توصية مجلس وحدة كلية الآداب في 15/10/2010 إنشاء قسم للغة التركية والعثمانية وآدابها إضافة الى الفارسية.

القرار جاء مفاجئاً للأوساط التربوية والجامعية، وأتى مُرضياً لإيرانيي الهوية وفارسيي الإنتماء. فعلى الرغم من الأهداف الثقافية والتعليمية لتعلّم اللغات والآداب الخاصة بمختلف البلدان، كان قرار التوقيع انتقائياً، يُسقط الثقافة والتعليم من حسابات حكومة السلاح، لينزلق في نفق سياسيّ استنسابي. وبين إيران وتركيا، اختار حراس المربّع الأمني "الإجازة الإيرانية" في الصواريخ والعتاد الحربي لما للدولة الفارسية من إنجازات على مستوى السلاح في لبنان، متناسين أن تركيا تحتل المركز السادس في اقتصاديات الدولة حيث أنها تسلك المسار الديموقراطي وتقوم بأدوار الوساطة بين لبنان والنظام السوري لاسترجاع المخطوفين اللبنانيين في سوريا.

إذا لم يعد ذلك الـ "لبنان ذو الوجه العربي".. "خوش آمديد" بكم في "لبنان ذو الوجه الفارسي". كما لم يعد لبنان بلد الحضارات المتعددة، ففي زمن السلاح، تتبع الحكومة للمسلحين، وتنشر الثقافة المسلّحة، و"تطنّش" عن اللغات الأخرى. بالطبع، قصَد رئيس الجامعة ووزير التربية إهمال اللغة العثمانية، ليس تماشياً مع هوى حكومة السلاح فحسب.. بل اقتناعاً منهم بأن اللبنانيين يتعلمون اللغة التركية في مسلسلات نور ومهنّد وفاطمة وغيرها..!

رسمياً، تُعلّم كلية الآداب اللغة الفارسية والعبرية والتركية ولغات عدة، إنما تدرّس هذه اللغات بالإتفاق مع المراكز الثقافية المعنية بهذه الدول. غير أن ما حصل في العام 2010 كان مفاجئاً. وفي تفاصيل القصة أن رئيس الجامعة بالوكالة آنذاك الدكتور زهير شُكُر وعميد كلية الآداب بالوكالة خليل أبي جعجع توجها الى جامعة طهران لتلبية دعوة من الجامعة. وتكللت الزيارة بتوقيع اتفاقية تعاون بين جامعة طهران والجامعة اللبنانية. ما يعني أن الطالب الذي سيتابع تعليمه في قسم اللغة الفارسية وآدابها سينال إجازة في الآداب الفارسية وليس فقط في اللغة، كما هي الحال اليوم مع أقسام اللغة الفرنسية والإنكليزية والفلسفة.

وبعد عودتهما، عقد مجلس كلية الآداب لقاء في الجامعة لطرح موضوع إنشاء قسم اللغة الفارسية وآدابها. حينها تحفّظ الدكتور عصام خليفة معلناً أنه ليس ضدّ إنشاء قسم اللغة الفارسية وآدابها ولكنّه أشار الى أن المنطقة، وفيها لبنان، تحمل موروثاً تاريخياً وتفاعلياً مع اللغة التركية والعثمانية وآدابها نتيجة 400 سنة من التداخل في الحياة الإجتماعية والثقافية والعمرانية والتراثية. يُضاف الى ذلك، عدد كبير من التشريعات ما زالت معتمدة في لبنان وغالبيتها من الحقبة العثمانية، ناهيك عن المسائل المتعلقة بالذاكرة الجامعية للمجتمعات العربية في هذه المنطقة. فأصرّ خليفة على إنشاء قسم للغة التركية وآدابها، وتوافق الجميع بتوصية على إنشاء القسمين الفارسي والعثماني.

إلا أن رئاسة الجامعة فاجأت الجميع بإصدارها قراراً بإنشاء قسم للغة الفارسية وآدابها فقط، وهذا جاء متناقضاً مع قانون الجامعة، حيث أن قانون إنشاء كلية الآداب حدد أن أي استحداث لأي قسم جديد في كلية الآداب يحتاج الى مرسوم. وهذا المرسوم بدوره يستند الى اقتراح يصدر عن مجلس الكلية ومجلس الجامعة الذي يوافق عليه ويُصدره بمرسوم.. بالتالي فموضوع القرار الإداري الذي أصدره رئيس الجامعة ووقع عليه وزير حكومة السلاح يعتبر مخالفاً للقانون، الأمر الذي دفع رئيس المكتب الإعلامي لرئيس الجامعة إلى أن يوضح في اليوم التالي أن رئاسة الجامعة بصدد تحضير المرسوم. فإذا كان الجسم الجامعي مهتماً بالجوانب المعرفية والتفاعل مع الثقافات ومع المعارف الأجنبية أو الشقيقة أو الصديقة.. لماذا الإستنساب واستثناء اللغة التركية والعثمانية من قرار الإنشاء، علماً أن الإقتراح والموافقة كانا في الجلسة نفسها؟!

مصدر متابع يوضح لـ "المستقبل" أنه "في حال كان الموضوع مرتبطاً بخلفية سياسية، فهذا لا يجوز بحقّ الجامعة اللبنانية. أما إذا كانت المسألة مرتبطة بتوسيع أُفُق التخصصات وتعزيز التبادل الثقافي والمعرفي فيصبح ملحّاً أن يَصدر مشروع مرسوم لإنشاء قسمين للغة التركية والعثمانية وآدابها واللغة الفارسية وآدابها". ويتابع "في هذه اللحظة الحرجة من التجاذبات السياسية في المنطقة، أي قرار غير مدروس ومتوازن سوف ينحو باتجاه السياسة، أما إذا كان أكاديمياً معرفياً تخصصياً بحتاً فيجب أن تكون الجامعة اللبنانية ورئاستها مبادرة لفتح هذا الأفق".

ويشير الى أن "تركيا هي الدولة السادسة من حيث اقتصاديات العالم، في ما يخصّ ثوراتها الإقتصادية والتكنولوجية والنهوض الإجتماعي والمسار الديموقراطية، ويعتبر ذلك كله قيمة مضافة لكي تتم الإحاطة والإلمام بهذه اللغة وتخصصاتها ونتاجها الفكري وآدابها التاريخية القديمة والحديثة"، موضحاً أن "الدفاع عن اللغة التركية وآدابها لن يكون على حساب الفارسية حيث أن الجسم الجامعي مقتنع بأن الأخيرة تحمل مخزوناً وموروثاً ثقافياً ومعرفياً غنيّاً جداً، لكن لم يكن له تأثير اللغة التركية على حياة المجتمعات العربية وخصوصاً في لبنان." ويلفت الى أن "لا إجراءات معينة في هذا الإطار إنما هناك تحرّك مطلبي يقوم به المؤرخون والأساتذة".

ويرى أمين الاعلام في الهيئة التنفيذية لرابطة الأساتذة المتفرغين والمنسق العام لقطاع التربية والتعليم في "تيار المستقبل" الدكتور نزيه خياط أنه "تفادياً لأي تفسير سياسي أو إنحياز لجهة ما، المنطق والحكمة والعقلانية تقتضي أن يتم إنشاء قسمين إما بمرسوم واحد أو مرسومين لإزالة الإلتباسات التي قد تُفسّر في غير مكانها، ونحن مستندون الى قرار وتوصية مجلس كلية الآداب، أي أن إدارة الجامعة تملك الحجّة الأكاديمية والقانونية بإنشاء هذين القسمين من دون أي حرج، وكان هذا توجّه مجلس الكلية الذي يضم جميع فروع كلية الآداب في لبنان". ويعتبر خياط أن إنشاء هذين القسمين "خطوة مهمة ونقلة نوعية لكلية الآداب وقيمة مضافة للجامعة اللبنانية أن تعزز الإختصاصات فيها على مستوى الآداب والعلوم الإنسانية، شريطة أن يقترن ذلك بمرسوم إنشاء القسمين".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل