كتب جورج شاهين في صحيفة "الجمهورية":
قبل 24 ساعة قدّم رئيس فريق المراقبين الدوليين الجنرال روبرت مود تقريره إلى مجلس الأمن الدولي متحدّثاً عن حجم العمليّات العسكرية التي أجهضت مهمّة الفريق، فبات عاجزاً عن التحرّك على الأرض. فما هي الإشارات التي أدّت إلى ذلك، وما أهمّيتها في الميزان العسكري وانعكاساتها المتوقّعة على لبنان؟
قبل الاطّلاع على المعطيات التي قادت إلى "القرار الاستراتيجي"، كما وصفه مود شخصيّا أمام مجلس الأمن الدولي، بتجميد عمل المراقبين الدوليين على الأراضي السورية، والتخلّي عن المهمة التي أوكِلت إليهم ولا سيّما تلك المتعلقة بحماية المدنيّين السوريين، كانت المراجع الدولية قد استقت من الأراضي السورية الكثير من المعلومات عن حجم العمليات العسكرية الدائرة في العديد من المناطق، وما استُخدم فيها من أسلحة كانت ستطيح بمهمّة المراقبين في أيّ وقت كان.
كيف فقدَ مود صبره؟
المُطّلعون على بعض الحقائق، أوّلاً بأوّل، توقّعوا الوصول إلى هذه النتيجة قبل ايّام فاضطرّوا الى توجيه نوع من المديح الى فريق المراقبين ورئيسه ومعاونيه، على ما تحمّلوه في الفترة الأخيرة من مسؤوليّات أثقلت كاهل أكثرهم صبراً، وهو الضابط النروجي العنيد روبرت مود، كما يصفه العارفون بسيرة حياته العسكرية قبل انتدابه لهذه المهمّة التي لم يكن يعتبر أنّها الأصعب في حياته قبل وصوله الى الأراضي السورية.
كان واضحاً لدى الكثير من الديبلوماسيين والعسكريين الذين رافقوا الملفّ السوري من بداياته، ولا سيّما عند انتقال الملف من الجامعة العربية وموفدها إلى دمشق، الى مجلس الأمن، أنّ الفريق الدولي بكلّ مكوّناته الديبلوماسية وصولاً إلى فريق المراقبين، لن يكون قادراً على تنفيذ المهمّة التي كُلّف بها. وفي قناعتهم أنّ أنان الذي اختصر مهمّته في دمشق بالنقاط الستّ التي أعلن عنها بعد 72 ساعة على زيارته الأولى لدمشق ولقاءاته المسؤولين السوريّين والتي بنى عليها لاحقاً مشاوراته الدولية في أقطاب العالم، لم يقل مرّة واحدة إنّه قادر على وضع جدول زمني لترجمة أيّ منها، طالما إنّه لم يتمكّن من تحديد أولى الخطوات المقترحة وهي وقف النار بشكل حازم.
أنان بين نارين!
ومرَدّ هذه القناعة أنّ أنان وقع في أوّل أيّام مهمّته بين نارين، نار الثورة السورية التي كانت في البداية "ثورة مدنية مسالمة" تحظى بعطف دوليّ كبير من جهة، ونار القيادة العسكرية السورية التي لم تُعطِه موافقة، ولو مبدئيّة، على موعد مقترح لوقف النار بعدما رهنته بما سمّته في حينه "ضمانات عربية ودولية" تنهي كلّ مصادر الدعم "وتجفّف منابع الإرهاب" لمجموعات مسلّحة تعيش على هبات خليجيّة وتركية ولبنانية ودوليّة، ما يعني إقراراً دوليّا منذ اللحظة الأولى بإسقاط كلّ الوجوه السياسية والإنسانية والمدنية عن الثورة السوريّة قبل ان تفقدها لاحقاً بسلاحها الذي جمعته من الخارج أو من مخازن الجيش النظامي، ما يؤدّي حكماً إلى ترك الأمور للقيادة السوريّة لتنهي "حالات عصيان داخلية"، لا بل كان سيظهر في حينه – لو اعترف المجتمع الدولي بمطالب النظام السوري – أنّ من واجبه تقديم الدعم لهذا النظام للقضاء على هذه "المجموعات الإرهابية" ليستتبّ له الأمر.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، أجمعت المراجع الديبلوماسية على القول إنّ الحديث عن النقاط الستّ، بما فيها تلك التي تلي وقف النار وسحب الأسلحة الثقيلة وصولاً إلى لقاءات المصالحة والحوار بين النظام والمعارضة، باتت من الأوهام التي لا يمكن الوصول اليها وتحديداً بعدما تجاوزها النظام السوري بدعوته الشكلية الى بعض المعارضين "من أصدقاء النظام ورجالاته" الى حوار وطنيّ توصُّلاً الى صياغة دستور جديد لم يعترف به أحد، قبل أن يقضي على آليّة الحوار بدعوته الى انتخابات مجلس الشعب الجديد، فاعتبرت مقترحات أنان من التاريخ قبل أن ترى مكاناً لها على الجغرافية السياسية السورية.
واقعة الرستن
وإلى هذه القراءة الدولية لمهمّة أنان والعوائق التي تحول دونها، توقّفت المراجع المعنية أمام ما سمّته "واقعة الرستن" مسقط رأس وزير الدفاع السابق مصطفى طلاس الموجود وأفراد عائلته خارج الأراضي السورية، والتي قالت التقارير الخاصة بها إلى مجلس الأمن الدولي إنّ الجيش السوري كلّف لواءً مؤلّلاً تطويق مدينة الرستن ودخولها بقوّة نيران لم تشهدها المعارك من قبل. لكنّ الحملة انتهت بما يزيد على 220 قتيلاً بين ضابط وعسكري نظامي سوريّ من دون الدخول اليها، فانصرف الجيش السوري الى حملاته باتّجاه الأرياف في حمص وحماه وحلب وإدلب لتحقيق انتصارات سهلة، يمكن أن تنعكس بعد السيطرة عليها، إن تمّت، للقضاء لاحقاً على المدن العاصية على النظام أو محاصرتها على الأقلّ كما يجري في حمص ومحيطها.
رسالة السنيورة من الخارج!
على هذه الخلفيّات، بُنيت النقطة الفاصلة بين استمرار مهمّة المراقبين أو تجميدها، فكان الخيار الثاني غالباً. وتزامُنا، نصحت المراجع الدولية المسؤولين اللبنانيين بسَيل من التقارير الأمنية التي تحذّر من عمليّات اغتيال كبيرة على الساحة اللبنانية لتعزيز ربطها بالساحة السورية المتفجّرة والمفتوحة على شتّى الاحتمالات، فكانت الإشارة إلى محاولة اغتيال رئيس كتلة "المستقبل" فؤاد السنيورة وهو، ما يعزّزه اعتراف مرجع أمني كبير عندما قال: لم يكن أيّ مرجع أمنيّ لبنانيّ على علم بهذه المحاولة، وما تلقّاه السنيورة كان رسالة عاجلة ومباشرة من مراجع غربية "عبّرت عن خشيتها من خطب عظيم" من دون العبور بها بالأجهزة الأمنية اللبنانية.